
حين نرى السلوك وننسى الإنسان …. بقلم الكاتبة والإعلامية هناء الهجاري
كل منا يمر بظروف وتجارب مختلفة قد تترك أثرًا عميقًا في شخصيته، وتغير من طريقة تفكيره وتعامله مع الآخرين، وربما يصل به الأمر إلى مرحلة لا يعرف فيها نفسه كما كان من قبل. فقد يكون الإنسان متزنًا نفسيًا وأموره مستقرة، ثم تتغير حياته فجأة بفعل ضغوط صحية، أو نفسية، أو اجتماعية، فتنعكس تلك الظروف على سلوكياته حتى يصبح شخصًا مختلفًا عما اعتاده المحيطون به، وربما يجد نفسه مرفوضًا من المجتمع بسبب تصرفاته.
وفي الوقت الذي يندفع فيه البعض لمهاجمة هؤلاء بقسوة شديدة، نحتاج إلى أن نتوقف قليلًا ونتساءل بموضوعية: هل نعرف حقًا ما الذي يمر به هذا الإنسان؟ وهل ما يصدر منه مجرد سلوك اختاره بإرادته، أم أنه حصيلة ظروف وتجارب قاسية أثرت في اتزانه؟ إن فهم هذه الظروف لا يعني أبدًا قبول الأخطاء أو التغاضي عن السلوكيات التي تؤذي الآخرين، فلكل إنسان مسؤوليته الكاملة عن تصرفاته، ولكن من المهم ألا نجعل أخطاءه سببًا لإلغاء إنسانيته، أو حرمانه من فرصة مراجعة نفسه والعودة. فبين رفض السلوك واحترام الإنسان مساحة دقيقة من الوعي والرحمة نحتاج إلى إدراكها.
هذا الترابط بين الظروف والسلوك يقودنا إلى التأمل في جذور الشخصية؛ فالإنسان يولد على الفطرة يحمل في داخله مشاعر نقية، لكن بيئته ومحيطه وتجاربه قد تؤثر تدريجيًا على تلك الفطرة. ومع مرور الوقت، قد يتغير دون أن يدرك حجم التحول الذي طرأ عليه، حتى تأتي لحظة يقظة صادقة تجعله ينظر إلى نفسه بصورة مختلفة، فيعيد حساباته ويكتشف أخطاءه.
وهنا يبرز التساؤل الأهم: مهما صدر عن الإنسان من سلوكيات يرفضها الناس، فهل يعني ذلك أن الخير قد انطفأ في داخله تمامًا؟ أليس من الممكن أن تبقى فيه بقية من ضمير يوقظه للتراجع؟ ما أعظم أن تتفتح بصيرة الإنسان حين يجد في طريقه من يساعده على تجاوز مرحلة الضياع والعودة إلى حياته وأهله. وهنا تتجلى قيمة الرحمة التي هي أوسع من أحكام البشر؛ فقد يسخر الله له أشخاصًا يكونون سببًا في انتشاله، أو تحيط به دعوات والدين صالحين في غيابه، فتفتح أمامه أبواب النور. يقول الله تعالى في سورة الرعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وفي الآية تذكير بأن التغيير الحقيقي يبدأ دائمًا من الداخل حين يقرر الإنسان تصحيح مساره.
ومن أعظم المشاعر التي توقظ الإنسان من غفلته: شعوره بالانتماء والحنين إلى وطنه. فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو الأهل، والذكريات، والجذور التي لا تمحوها المسافات. وقد تكون الغربة أو قسوة الأيام فرصة حقيقية ليراجع المرء نفسه، ويستعيد مشاعره النقية، ويدرك قيمة ما كان يملكه؛ فتكون محبة الوطن دافعًا صادقًا لترميم الذات والعودة أكثر نضجًا.
وبين قسوة الظروف ورحمة البدايات الجديدة، تبرز حاجتنا الدائمة إلى نظرة أوسع وأعدل؛ فالمحاسبة حق، ورفض الخطأ موقف مشروع، لكن القسوة لا تصنع إنسانًا أفضل، كما أن الاحتواء لا يعني تبرير الإساءة. ليس من الضروري أن نوافق الإنسان على أخطائه لنمنحه فرصة العودة، وليس من العدل أن نجعل أسوأ أيامه عنوانًا دائمًا لحياته.
فلنترك للرحمة مكانًا في قلوبنا، وللإنصاف حضورًا في أحكامنا، فربما يكون الإنسان الذي نراه اليوم في أسوأ حالاته، هو نفسه من سيختار غدًا أن يبدأ من جديد، ليصحح ما أفسدته الأيام.



