المجتمع

نادي صبيا الثقافي في أمسية يستعيد ذاكرة جازان الأدبية والتعليمية.. من المجالس إلى آفاق النهضة

في محافظة صبيا، حيث تختزن الذاكرة المحلية شواهد من تاريخ العلم والأدب، استعاد نادي الثقافة والفنون شيئًا من هذه الحكاية، بتنظيم لقاء ثقافي بعنوان «تطور الأدب والتعليم في منطقة جازان في العهد السعودي»، مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2026م، على مسرح إدارة التعليم بالمحافظة، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والأدباء والمؤرخين والتربويين، وحضور عدد من المثقفين والشعراء والمهتمين.
وكان اللقاء أقرب إلى رحلة في ذاكرة المكان؛ من بدايات التعليم النظامي إلى اتساع مؤسساته، ومن مجالس العلماء ورواد الأدب إلى الجامعة ومنابر الثقافة الحديثة. وقد اكتسبت الأمسية أهمية خاصة بحضور عضو مجلس الشورى والأديب والناقد الأستاذ الدكتور حسن بن حجاب الحازمي، والأديب والباحث الدكتور إبراهيم بن محمد أبو هادي، مدير عام التعليم بمنطقة جازان سابقًا، فيما أدار الحوار الدكتور إبراهيم بن محمد الهجري، المتخصص في الأدب والنقد، بحضور عضو هيئة التدريس بجامعة جازان والمؤرخ الأستاذ الدكتور علي حسين الصميلي، ومدير عام التعليم بالمنطقة الأستاذ ملهي بن حسن العقدي، وعضوي مجلس الشورى السابقين الأستاذ الدكتور عبدالرحمن هيجان والدكتور فيصل علي الطميحي، إلى جانب عدد من الأكاديميين والمثقفين.

من مجالس الأدب إلى اتساع الصحافة

في حديثه عن تطور الأدب والتعليم في جازان خلال العهد السعودي، أعاد الأستاذ الدكتور حسن الحازمي رسم ملامح الحياة الثقافية في المنطقة، مستحضرًا عشرة مجالس أدبية كان لها حضورها في المشهد الثقافي، ومن أشهرها مجلس عبدالقادر علاقي، الذي مثّل إحدى المساحات التي التقى فيها الأدباء وتداولوا الأفكار وتناقلوا المعارف، في زمن كانت فيه المجالس تؤدي دورًا يتجاوز الاجتماع الاجتماعي إلى احتضان الحوار وصناعة الوعي.

ولم تكن تلك المجالس مجرد لقاءات عابرة في ذاكرة المكان؛ بل كانت صفحات حية من تاريخ الثقافة، تتجاور فيها الآراء، وتتلاقح فيها التجارب، وتُصقل المواهب في بيئة تمنح الكلمة مكانتها، وتحفظ للعلم والأدب حضورهما في حياة المجتمع. ومن بين الأسماء التي استحضرها الحازمي العلامة محمد أحمد عقيلي، بما يمثله من حضور في تاريخ العلم والأدب بجازان، وما ارتبط بسيرته من عناية بالمعرفة والتأليف والتوثيق.

كما تناول التجارب المدرسية التي أسهمت في تنمية المواهب الأدبية، ومهّدت الطريق لازدهار الصحافة واتساع حضورها في المنطقة. فقد كانت المدرسة، إلى جانب رسالتها التعليمية، بيئةً لاكتشاف الأقلام الناشئة، وتدريب الطلاب على التعبير والكتابة، وفتح نوافذ جديدة أمامهم لممارسة العمل الثقافي والإعلامي.

وهنا تلتقي حكاية التعليم بحكاية الصحافة؛ فالكلمة التي وجدت طريقها إلى صفحات الصحف لم تولد دائمًا في غرف التحرير، بل بدأت في كثير من الأحيان من مقاعد الدراسة، وفي أنشطة الطلاب وتجاربهم الأولى، قبل أن تكبر وتشق طريقها إلى فضاء النشر. وهكذا أسهم التعليم في إعداد أجيال حملت أقلامها إلى المنابر الصحفية والأدبية، وأضافت إلى ذاكرة جازان المكتوبة صفحات جديدة.

الجغرافيا التي صنعت ملامح الإنسان

أما الدكتور إبراهيم أبو هادي، فقد اتجه إلى قراءة تاريخ التعليم والثقافة من زاوية العلاقة بين الإنسان والمكان، متوقفًا عند البيئات الجغرافية المتنوعة التي تميز منطقة جازان، وما كان لها من أثر في تشكيل ثقافة الإنسان وملامح شخصيته وطرائق عيشه وتعبيره.

فجازان ليست بيئة واحدة متشابهة الملامح؛ إنها جبال وسهول وأودية وسواحل، تتعدد فيها أنماط الحياة، وتتباين تجارب الناس، وتتسع صور الموروث الشعبي والاجتماعي. وقد أسهم هذا التنوع في تشكيل رصيد ثقافي غني، انعكس على العادات والتقاليد والحكايات والأشعار، ومنح المنطقة خصوصيةً تتجلى في تعدد روافدها الثقافية وتنوع تعبيراتها الإنسانية.

وفي هذه القراءة، لا تبدو الجغرافيا مجرد خلفية صامتة للأحداث، بل عنصرًا فاعلًا في صناعة التجربة الإنسانية؛ فالإنسان يتعلم من أرضه، ويستمد من طبيعتها بعض ملامح حياته، ثم يعيد صياغة ما يحيط به في صورة حكايات وقيم وفنون وممارسات اجتماعية تتناقلها الأجيال.

وتوقف أبو هادي كذلك عند الذاكرة التاريخية للمكان، وأهمية التمييز بين الامتداد التاريخي للمخلاف السليماني وما شهدته حدوده وتسمياته من تحولات عبر العصور، وبين منطقة جازان بوصفها وحدة إدارية معاصرة في إطار الدولة السعودية. وهي قراءة تؤكد أن فهم الحاضر يقتضي معرفة سياقات الماضي، وأن التاريخ لا يُقرأ بمعزل عن التحولات الجغرافية والاجتماعية التي أسهمت في تشكيله.

التعليم.. الحكاية التي اتسعت فصولها

من مدرسة ابتدائية افتُتحت في جازان عام 1355هـ، بدأت مرحلة من مراحل التعليم النظامي التي أخذت تتسع مع مرور العقود، حتى أصبحت المنطقة أمام مشهد تعليمي واسع يضم آلاف المدارس ومئات الآلاف من الطلاب والطالبات، ويعمل فيه عشرات الآلاف من المعلمين والمعلمات.

ولم يكن هذا الاتساع مجرد زيادة في المباني والأعداد، بل تحولًا في فرص التعلم، وفي حضور المعرفة داخل الأسرة والمجتمع، وفي قدرة الأجيال على المشاركة في مسيرة التنمية. فقد أصبحت المدرسة بابًا يعبر منه أبناء المنطقة إلى عوالم أرحب، وتجاوزت رسالتها حدود القراءة والكتابة إلى تنمية المهارات واكتشاف المواهب وتهيئة الإنسان لمتطلبات الحياة الحديثة.

ثم جاء التعليم الجامعي ليضيف فصلًا جديدًا إلى هذه الحكاية، مع تأسيس جامعة جازان عام 1426هـ، بما أتاحته من مسارات للتعليم العالي، وفرص للبحث العلمي، وتأهيل للكفاءات الوطنية في تخصصات متعددة. وهكذا انتقلت المعرفة من بدايات محدودة في أدواتها وإمكاناتها إلى منظومة تعليمية أرحب، تتصل فيها المدرسة بالجامعة، ويتكامل فيها التعليم مع البحث، وتتسع فيها آفاق الشباب نحو ميادين العمل والإبداع.

ولعل المعنى الأعمق لهذا التحول لا يكمن في الأرقام وحدها، على أهميتها، بل في أثرها على الإنسان؛ في طفل وجد باب المدرسة مفتوحًا أمامه، وفي فتاة مضت إلى الجامعة لتصنع مستقبلها، وفي معلم جعل من المعرفة رسالة، وفي باحث حمل أسئلة مجتمعه إلى ميادين الدراسة والاكتشاف. فالأرقام ترسم اتساع المشهد، أما الحكايات الإنسانية فتمنحه روحه ومعناه.

الأدب.. ذاكرة الأرض وصوت الإنسان

لم تكن جازان يومًا أرضًا بلا حكاية؛ ففي جبالها وسهولها وسواحلها، وفي قراها وأسواقها ومجالس علمائها، تشكلت ذاكرة اجتماعية وثقافية غنية، حملتها الرواية الشفوية، وحفظتها القصائد، وسجلتها المؤلفات والدراسات.

وكانت الكتاتيب والمساجد وبيوت العلماء من المنابع التي انتقلت عبرها المعرفة، قبل أن تتسع دوائر التأليف والتدوين، وتظهر المؤسسات الثقافية التي أتاحت للأدباء والمثقفين مساحات أرحب للحوار والنشر والإبداع. وفي هذا الامتداد التاريخي، تبرز المجالس الأدبية بوصفها إحدى الحلقات التي وصلت بين المعرفة الفردية والحياة الثقافية العامة، وأسهمت في تداول الأفكار وإبقاء الصلة قائمة بين العلماء والأدباء وطلاب العلم.

ومع تطور التعليم، اتسعت قاعدة القراءة والكتابة، وتهيأت للأدب بيئة أكثر تنوعًا، تتجاور فيها التجارب الشعرية والنقدية والبحثية، وتلتقي فيها الذاكرة المحلية بأسئلة الثقافة المعاصرة. كما وجدت الصحافة في هذه البيئة روافد من الأقلام الجديدة والموضوعات المتصلة بحياة الناس وتحولات مجتمعهم.

وبقي الأدب، في جوهره، شاهدًا على التحولات الاجتماعية، ووسيلة لفهم الإنسان في علاقته بأرضه ومجتمعه وزمنه؛ فلا تنفصل قصيدة عن بيئتها، ولا يستقيم فهم حركة أدبية دون قراءة الظروف التي نشأت فيها، والوجوه التي حملت رسالتها.

ومن هنا اكتسب اللقاء أهميته؛ إذ جمع بين التاريخ التعليمي والحركة الأدبية، وفتح المجال لقراءة أثر الجغرافيا والمجالس العلمية والتجارب المدرسية في تشكيل المشهد الثقافي، بوصفها روافد متكاملة لمسيرة واحدة، يتقدم فيها المجتمع بالعلم، ويصون ملامحه بالثقافة، ويمنح تجربته الإنسانية لغة تحفظها من النسيان.

صبيا.. حين تلتقي الذاكرة بالحاضر

وفي مستهل الأمسية، رحّب رئيس نادي الثقافة والفنون بصبيا الأستاذ حسين ضيف الله مريع بالمشاركين والحضور من مختلف التخصصات العلمية والثقافية والأدبية، معربًا عن اعتزاز النادي بإقامة اللقاء بالتزامن مع احتفالات المملكة باليوم الوطني السادس والتسعين، وما تحمله المناسبة من استذكار لمسيرة البناء والتنمية، وتجديد لمعاني الوفاء والانتماء.

وأشار إلى ما شهدته المملكة من نهضة في مجالات العمران والتعليم والثقافة، وما تنعم به منطقة جازان ومحافظة صبيا من أمن واستقرار، في ظل اهتمام القيادة الرشيدة ومتابعة أمير المنطقة ونائبه، مثمنًا جهود المؤسسات التعليمية والثقافية والبلدية في خدمة المجتمع وتعزيز مسارات التنمية.

وأدار الدكتور إبراهيم الهجري الحوار بروح أدبية وتربوية، مرحبًا بضيوف الأمسية من الأدباء والشعراء والمثقفين، ومؤكدًا أهمية استعادة تاريخ جازان التعليمي والأدبي بوصفه جزءًا من تاريخ الوطن، وشاهدًا على التحولات التي شهدها الإنسان السعودي في ظل الدولة الحديثة.

وشهد اللقاء مداخلات من الحضور، شارك فيها الأستاذ الدكتور عبدالرحمن هيجان، والدكتور فيصل علي الطميحي، والأستاذ الدكتور علي حسين الصميلي، تناولت جوانب من تاريخ المنطقة التعليمي والأدبي، وما يستحقه هذا التاريخ من توثيق ودراسة، حتى تبقى تجارب الرواد حاضرة في الوعي الثقافي، وتجد الأجيال الجديدة ما يعينها على فهم جذورها واستكمال مسيرتها.

واختُتمت الأمسية بتقديم الدروع التذكارية للمشاركين، تقديرًا لإسهاماتهم العلمية والثقافية ومشاركتهم في إثراء الحوار حول تاريخ جازان التعليمي والأدبي.

ما يبقى بعد انفضاض المجالس

قد تنفض المجالس، وتخفت الأصوات، وتعود المقاعد إلى سكونها، غير أن بعض اللقاءات تترك وراءها ما يتجاوز حدود المكان والزمان؛ تترك سؤالًا يستحق أن يظل مفتوحًا: كيف نحفظ ذاكرة العلم والأدب، وننقلها من صفحات الماضي إلى وعي الأجيال؟

إن جازان التي احتضنت المجالس الأدبية، وعرفت العلماء والرواد، وشهدت بدايات التعليم النظامي، ثم اتسعت فيها المؤسسات التعليمية والجامعية والثقافية، لا تحتاج إلى استعادة تاريخها من باب الحنين وحده، بل إلى قراءته وتوثيقه، وإبراز رجاله ونسائه، ودراسة منجزاته وتحولاته، وربط هذا الإرث بما يعيشه المجتمع من تطلعات معرفية وثقافية.

فالمجالس التي احتضنت الكلمة، والمدارس التي فتحت أبواب المعرفة، والصحافة التي منحت الأقلام منابرها، والجامعة التي وسعت آفاق البحث؛ حلقات في سلسلة واحدة، قوامها الإنسان، وغايتها بناء الوعي وصون الذاكرة.

ولعل أجمل الوفاء لأولئك الذين حملوا مشاعل المعرفة أن نواصل ما بدأوه، لا أن نكتفي برواية أخبارهم؛ وأن نجعل من تاريخهم مادة للبحث والتعلم والإبداع، حتى لا تبقى سيرتهم حبيسة المجالس والكتب، بل تتحول إلى ضوء يهتدي ب

وهكذا بدت أمسية صبيا أكثر من لقاء لاستعراض مسيرة الأدب والتعليم؛ كانت استعادة لذاكرة المكان، ووفاءً لرجال حملوا مشاعل المعرفة في بدايات الطريق، وتأملًا في رحلة أضاءت فيها المدرسة دروب الأجيال، ومنح الأدب الإنسان صوته، وأسهمت الجغرافيا في تشكيل ملامحه، وظلت جازان، بأرضها وإنسانها، تكتب فصولًا جديدة من حكاية العلم والثقافة في العهد السعودي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى