
سوق الأربعاء بأبوعريش.. ذاكرة جازان التي لا تغيب عن موعدها
في قلب محافظة أبوعريش، حيث تتعانق ذاكرة المكان مع نبض الحياة، وتختلط روائح البن والهيل وعبق النباتات العطرية بأصوات الباعة ونداءات المتسوقين، ينهض سوق الأربعاء الشعبي شاهدًا على حكاية عمرها أكثر من مائة عام؛ حكاية لم تكتبها الأقلام وحدها، بل حفظتها الوجوه والأيدي والبضائع، وتناقلتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
في صباح الأربعاء، 21 أكتوبر 2026م، الموافق العاشر من جمادى الأولى 1448هـ، كانت للذاكرة حكاية أخرى تُروى من قلب السوق، حيث دخلنا من بوابته الغربية، لنجد أنفسنا أمام مشهد تتداخل فيه الدهشة بالحركة، والماضي بالحاضر، والتجارة بمظاهر الحياة الشعبية التي ما زالت تحتفظ بأصالتها رغم اتساع الأسواق الحديثة وتعدد وجهات التسوق.
منذ اللحظات الأولى، تستوقفك آلاف القطع من الملابس المعلقة، وصفوف الباعة الذين يتنقلون بين بضائعهم في حركة لا تهدأ، وعشرات المتسوقين الذين يفدون من القرى والمحافظات القريبة، بحثًا عن حاجاتهم، واستمتاعًا بتجربة تسوق تختلف في روحها وتفاصيلها عن المراكز التجارية المغلقة. هنا، لا تُعرض السلع وحدها، بل تُعرض معها حكايات المكان، وعادات الناس، وملامح حياة ألفوها ولم تنقطع صلتهم بها.
وفي أرجاء السوق، يفترش عدد من الباعة الأرض، ولا سيما بائعو الأواني المنزلية وأدوات الزراعة والنظافة، فيما تتجاور المعروضات الشعبية مع الملابس والأدوات المتنوعة، في مشهد يعكس بساطة التجارة الشعبية واتساع احتياجات المتسوقين. ولكل بائع مساحته التي يعرفها، ولكل سلعة زبائنها، ولكل زاوية من زوايا السوق طابعها الذي يمنح المكان شيئًا من خصوصيته.
أسواق تحمل رائحة الأرض
وما إن تتوغل في السوق حتى تقودك حواسك إلى عوالم أخرى؛ أكياس البن والهيل والقرفة والبهارات تفوح منها روائح تستحضر دفء المجالس القديمة، والسمن والعسل يعكسان حضور المنتجات المحلية في ذاكرة المائدة الجازانية، فيما تعرض الأواني الفخارية والخزفية شواهد من أدوات الحياة التي استخدمها الآباء والأجداد، قبل أن تتبدل أنماط العيش وتتسع خيارات الاستهلاك.
وعلى مقربة من تلك المعروضات، تنثر نباتات الفل والكادي والبعيثران والشيح عطرها في المكان، كأنها تحمل شيئًا من رائحة الجبال والقرى والبيوت القديمة. يتوقف بعض المتسوقين عندها، ويتأمل آخرون ما يعرضه الباعة من منتجات، بينما ينشغل الجميع برحلة شراء لا تنفصل فيها المنفعة عن المتعة، ولا تغيب عنها ألفة التعامل التي تميز الأسواق الشعبية.
وفي جوانب أخرى، تتنوع السلع بين المنتجات الزراعية والأدوات المنزلية والملبوسات التقليدية، إلى جانب ما يُعرض من الأسماك والمواشي، في اتساع يعكس تنوع النشاط التجاري وصلته بحياة المجتمع واحتياجاته اليومية.
موعد يتجدد مع الناس
ليس الأربعاء في أبوعريش يومًا عاديًا لدى كثير من الأهالي؛ إنه موعد أسبوعي تتجدد فيه اللقاءات، وتلتقي خلاله طرق القرى بالمحافظة، ويستعيد الناس شيئًا من عادات التسوق التي عرفها الآباء والأجداد. ويبدأ بعض الباعة استعداداتهم منذ ظهر الثلاثاء، فيحضرون بضائعهم ويرتبون مواقعهم، فيما يحرص آخرون على العودة إلى الأماكن التي اعتادوا الوقوف فيها، بعدما أصبحت جزءًا من علاقتهم بالسوق ورواده.
ومع توالي الساعات، تتسع حركة البيع والشراء، وتتداخل أصوات المساومة مع أحاديث المتسوقين، وتتحول الممرات إلى مسارات نابضة بالحياة، تعبرها العائلات والشباب وكبار السن. وبين هذا التنوع، يحتفظ السوق بقدرته على جمع فئات المجتمع في فضاء واحد، تتجاور فيه الحاجات اليومية مع الذكريات، وتلتقي فيه التجارة بعلاقات إنسانية صنعتها الألفة وطول العهد.
ويجد المتسوق في السوق خيارات متعددة وأسعارًا تنافسية، فيما يمثل المكان مصدر دخل للباعة والأسر المنتجة، ومنفذًا لتسويق المنتجات المحلية والحرف اليدوية. ومن هنا تتجاوز أهميته حدود النشاط التجاري الأسبوعي، ليغدو أحد مكونات الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المحافظة، ونافذةً تطل منها الأجيال الجديدة على جانب من الموروث الشعبي لمنطقة جازان.
سوق يتسع للمستقبل ويحفظ ذاكرة الماضي
ومع ما يشهده السوق من إقبال متزايد، تبرز أهمية توفير المواقع الملائمة والتجهيزات التي تستوعب الباعة والمتسوقين، وتيسر حركة الدخول والخروج، وتحافظ على جودة التجربة وسلامة المعروضات. ويضم السوق أكثر من 400 بسطة، ضمن تجهيزات تستهدف تهيئة بيئة مناسبة للنشاط التجاري الشعبي، بما يواكب مكانته وحجم الإقبال عليه.
كما تحظى الأنشطة المرتبطة بالسوق بمتابعة الفرق الرقابية التابعة لفرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة جازان، ممثلةً في مكتب الوزارة بمحافظة أبوعريش، في إطار متابعة الأنشطة ذات الصلة بالاختصاصات الرقابية للوزارة.
ويكتسب موقع السوق أهمية خاصة؛ إذ يسهل الوصول إليه من القرى والمراكز المحيطة، ويعزز دوره وجهةً أسبوعية تخدم شريحة واسعة من السكان. وفي الوقت الذي تتسابق فيه الأسواق الحديثة لتقديم تجارب تسوق متطورة، يواصل سوق الأربعاء حضوره بطابعه الشعبي، جامعًا بين احتياجات الحاضر ومظاهر من تراث الأمس.
حكاية لا تنتهي عند بوابة السوق
وحين تقترب الجولة من نهايتها، تكتشف أن ما يبقى في الذاكرة ليس ما اشتريته وحده، ولا ما مررت به من بضائع ومعروضات، بل المشهد بأكمله؛ بائع يرتب سلعته بعناية، ومتسوق يتفحص ما يحتاج إليه، ورائحة كادي تعبر الممرات، وأوانٍ فخارية تستعيد صورة البيوت القديمة، وأصوات تتعالى ثم تخفت، بينما تستمر الحياة في إيقاعها المألوف.
هنا، في سوق الأربعاء بأبوعريش، لا يقف الماضي على هامش الحاضر، بل يمضي معه في الطريق نفسه. فكل بسطة تحمل رزق صاحبها، وكل سلعة تختزن حكاية، وكل زيارة تجدد صلة الناس بمكان ظل حاضرًا في وجدانهم أكثر من قرن.
إنه سوق لا تقاس قيمته بعدد البسطات أو حجم المبيعات فحسب، بل بما يحفظه من ذاكرة المجتمع، وما يتيحه من فرص للكسب، وما يجمعه من وجوه وقرى وعادات في موعد أسبوعي تتجدد فيه الحياة.
وحين يغادر الزائر بوابة السوق، يحمل معه شيئًا من ضجيجه المحبب، وعبق نباتاته العطرية، وصورًا من تفاصيله الشعبية؛ ليبقى الأربعاء موعدًا آخر، وتبقى أبوعريش مدينةً تفتح أبوابها لذاكرة جازان، حيث لا تزال الأسواق القديمة تعرف كيف تحفظ مكانها في زمن يتغير كل يوم




















