
هل تدفع اوروبا والغرب ثمن التخاذل والتردد أمام إيران
صحيفة أخباركم الإعلامية – مقال أسبوعي بقلم الكاتب: عبدالقادر مكي
تقف أوروبا أمام إختبار إستراتيجي يتجاوز حدود مضيق هرمز فبينما تتصاعد المواجهة مع إيران وتتعرض الملاحة الدولية للتهديد، تبدو العواصم الأوروبية عالقة بين الخوف من اتساع الحرب والعجز عن صياغة موقف حاسم يحمي مصالحها ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يكفي تجنّب المواجهة لتجنّب كلفتها أم أن التردد نفسه قد يجعلها أعلى فمضيق هرمز ليس ساحة صراع بعيدة عن أوروبا بل إنه شريان حيوي للطاقة والتجارة العالمية وأي تعطيل للملاحة فيه ينعكس على أسعار النفط والنقل والتأمين ويزيد الضغوط على الاقتصادات الأوروبية والمواطنين الذين يعانون أصلاً من ارتفاع تكاليف المعيشة فلذلك فإن التعامل مع تهديد الملاحة بإعتباره مشكلة أميركية بالدرجة الأولى فهو خطأ استراتيجي لأن تداعياته لا تتوقف عند حدود واشنطن أو الخليج ومن حق الدول الأوروبية أن تتحفظ على حرب واسعة وأن تطالب بالدبلوماسية وتجنب التصعيد لكن هناك فرقاً بين رفض الانجرار إلى حرب مفتوحة وبين الامتناع عن اتخاذ إجراءات عملية لحماية الملاحة الدولية وردع التهديدات فالمشكلة ليست في أن أوروبا لا تريد الحرب بل في أنها لم تُظهر دائماً إرادة سياسية تتناسب مع حجم التحدي فإصدار البيانات والدعوة إلى ضبط النفس لا يكفيان عندما تتعرض طرق التجارة الدولية للخطر فالمطلوب موقف واضح يجمع بين حماية الملاحة وتنسيق الجهود الدفاعية وممارسة ضغط سياسي واقتصادي فعّال على طهران ولا يعني ذلك منح واشنطن شيكاً على بياض أو اعتبار كل خياراتها العسكرية صائبة بل تستطيع أوروبا الاختلاف مع الإدارة الأميركية بشأن الوسائل لكنها لا تستطيع تحويل هذا الاختلاف إلى ذريعة للتنصل من مسؤولياتها الأمنية والاقتصادية وهل ترتبط الاحتجاجات والاضطرابات التي تشهدها بعض العواصم الأوروبية بتردد حكوماتها تجاه إيران ولا يمكن الجزم بوجود علاقة مباشرة فهذه التحركات لها أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وقد تختلف من بلد إلى آخر ولكن تجاهل البعد الجيوسياسي سيكون خطأ أيضاً فاضطراب أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار وتزايد الشعور بعدم الاستقرار يمكن أن تضاعف الضغوط الداخلية وتعمّق استياء المواطنين وحين تبدو الحكومات عاجزة عن حماية مصالحها الخارجية أو احتواء انعكاساتها الاقتصادية،
تتسع الفجوة بينها وبين الرأي العام فهنا تكمن المفارقة وتحاول الحكومات تجنب كلفة المواجهة ولكنها قد تجد نفسها أمام كلفة أخرى تتمثل في تراجع الثقة، والضغط الاقتصادي فكلما اتسعت الخلافات بين ضفتي الأطلسي ازدادت صعوبة بناء موقف دولي متماسك ويمكن لطهران أن تستفيد من هذا الانقسام خصوصاً إذا خلصت إلى أن التهديدات لن تقابل بردع موحد أو بعواقب واضحة ومع ذلك فإن الردع لا يعني بالضرورة حرباً شاملة. تستطيع أوروبا الجمع بين حماية الملاحة، وتنسيق المواقف مع الحلفاء، وتشديد الضغط الدبلوماسي، ووضع عواقب واضحة أمام أي تهديد مستمر. وهذه ليست خطوات تصعيدية بالضرورة؛ بل أدوات لمنع تحول التهديد إلى أزمة أوسع ولايجوز أيضاً فصل أمن أوروبا الاقتصادي عن أمن الممرات البحرية الدولية.
فالاختبار الحقيقي أمام أوروبا ليس ما إذا كانت ستدخل حرباً جديدة بل ما إذا كانت قادرة على حماية مصالحها من دون أن تنتظر من واشنطن أن تتحمل العبء وحدها وإن سياسة تجنب المخاطر بأي ثمن قد لا تمنع الحرب بل قد تشجع خصوم أوروبا على اختبار حدود صبرها وفي عالم تتداخل فيه الطاقة والأمن والاقتصاد، لم يعد التردد موقفاً بلا تكلفة وأوروبا تحتاج إلى قرار واضح فالدبلوماسية التي لا تسندها إرادة عملية قد تتحول إلى انتظار مفتوح فيما تستمر التهديدات ويدفع العالم ثمنها.



