
تحصين المجتمع وحماية الأجيال: قراءة في مسببات الانحراف وسبل الوقاية
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: عبدالله بنجابي
وضع الإسلام حفظ النَّسْل والعِرْض في مقدمة مقاصد الشريعة الغرّاء، وجعل بناء الأسرة القائمة على المودّة والسكينة هو المسار الفطري النظيف لعمارة الأرض. وحين حذّر القرآن الكريم من الوقوع في الحرام، سلك منهج سدّ الذرائع فقال سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، فلم يحرّم الفعل المجرد فحسب، بل نهى عن كل خطوة أو ذريعة تقود إليه.
إنّ قراءة الواقع المعاصر تكشف أنّ التحديات الأخلاقية لم تعد تصرّفات فردية معزولة، بل هي نتاج تداخل معقّد بين عوامل دينية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية، تتطلب تشخيصاً دقيقاً لمعالجتها وحماية النسيج المجتمعي من آثارها.
أولاً: المنظومة الإيمانية والتربوية.. حصن الفرد الداخلي
يبدأ الانحراف دائماً حين يضعف الدرع الباطني للإنسان؛ فـضعف الوازع الديني والرقابة الذاتية وتراجع استشعار معية الله والخوف من عواقبه، يجرّد الضمير من قدرته على الممانعة. ويتفاقم هذا التراجع في ظل غياب الرقابة والتوجيه الأسري؛ حيث تؤدي التصدعات العائلية والجفاف العاطفي وانشغال الوالدين عن أبنائهم إلى فراغ وجداني يدفع الناشئة للبحث عن الاهتمام في مسارات غير مشروعة. يضاف إلى ذلك أثر رفقة السوء التي تزيّن الانحلال وتقلل من شأن الوقوع في الخطايا.
ثانياً: التحديات الاقتصادية والاجتماعية
تقف صعوبة الزواج وتأخره كأحد أبرز الضغوط الاجتماعية الواقعية؛ فغلاء المهور، وتكاليف الزواج المرهقة، واشتراطات الأعراف المعقدة، مع تفشي البطالة، تصنع فجوة زمنية طويلة بين البلوغ والقدرة على الإعفاف المشروع. وحين يقترن هذا الواقع بـالفراغ والبطالة وغياب الأنشطة البناءة التي تستثمر طاقات الشباب، يصبح الفكر والسلوك فريسة سهلة للمغريات والشبهات.
ثالثاً: التدفق الإعلامي والاختراق القيمي
يعيش العالم اليوم طوفاناً رقمياً جعل من سهولة الوصول إلى المحتوى المثير والإباحي عبر المنصات دون قيود خطراً داهماً يثير الغرائز بصورة مستمرة ويشوّه مفهوم الفطرة والعلاقة السوية. ويتكامل ذلك مع موجات العولمة الثقافية وتطبيع العلاقات خارج إطار الزواج من خلال السينما والإعلام الموجّه، الذي يقدّم المحرمات في قوالب براقة تحت مسميات “الحرية الشخصية” و”أنماط الحياة الحديثة”، مجرداً إياها من قبحها الأخلاقي والديني.
رابعاً: البيئة السلوكية والتشريعية
تكتمل دائرة المسببات بالسلوكيات الميدانية المتهاونة؛ كـالتبرج ورفع الحواجز في الاختلاط غير المنضبط، وإلغاء ضوابط الحشمة وغض البصر، مما يمهّد للخلوة المحرمة خطوات متتابعة. وتزداد الخطورة عند تعاطي المسكرات والمخدرات التي تُغيّب العقل وتُسقط الكوابح الأخلاقية بالكامل. وأخيراً، فإنّ ضعف الردع القانوني أو التهاون في تطبيق العقوبات تجاه ممارسات الابتزاز والترويج للفساد يشجع ضعاف النفوس على التمادي دون خشية من المحاسبة.
إنّ حماية الهوية والأخلاق مسؤولية تشاركية تبدأ من استعادة الأسرة لدورها الدافئ والمربي، وتيسير تكاليف الزواج ومساندة الشباب، إلى جانب بناء وعي إعلامي ورقمي يحصّن الأفكار. فالوقاية تبدأ دائماً من اليقظة وحفظ الحدود، وحماية المجتمع تظل أمانة في عنق الجميع.



