
التعليم في تبوك نمو سكاني متسارع ومدارس لا تواكب الاحتياج .. بقلم الكاتب عبدالله محمد هويمل العطوي
إن ما تشهده مدينة تبوك من تحديات متزايدة في استيعاب الطلاب والطالبات داخل المدارس ومايعانيه أولياء الأمور مع بداية كل عام دراسي يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى مواكبة التخطيط التعليمي للنمو السكاني والعمراني الذي تشهده المدينة وحول أسباب استمرار هذه المعاناة رغم الحاجة الواضحة إلى التوسع في المباني المدرسية فالمدينة تنمو وتتوسع وأحياء كثيرة فيها لم تعد مجرد أحياء سكنية صغيرة بل أصبحت تجمعات عمرانية كبيرة يقطنها آلاف السكان وتحتاج إلى خدمات تعليمية وصحية وغيرها من الخدمات الأساسية التي تتناسب مع حجمها السكاني فالواقع الذي يشتكي منه عدد من أولياء الأمور يشير إلى وجود فجوة واضحة بين الاحتياج الفعلي للسكان والطاقة الاستيعابية المتاحة في بعض المدارس. وقد بلغ عدد الطلاب في الفصل الواحد في بعض المدارس نحو (60 طالبًا)وهو عدد يثير القلق بشأن البيئة التعليمية المناسبة ويستدعي الوقوف عنده بجدية ومسؤولية.فكيف يُنتظر من المعلم أن يمنح كل طالب حقه في الشرح والمتابعة والتقويم وأن يراعي الفروق الفردية ويعالج جوانب الضعف وينمّي قدرات الطلاب في فصل يضم هذا العدد الكبير؟ وكيف يستطيع الطالب أن يتلقى تعليمه في بيئة تتطلب التركيز والاستيعاب والتفاعل في ظل هذا الاكتظاظ؟ إن القضية لا تتعلق بمجرد أرقام في سجلات المدارس بل بمستوى التحصيل الدراسي وجودة التعليم وصحة البيئة الصفية وقدرة المعلم على أداء رسالته وحق الطالب في الحصول على تعليم مناسب . كما أن إدارة المدرسة تتحمل أعباء تشغيلية وتنظيمية متزايدة ويجد ولي الأمر نفسه أمام تحديات يومية في تسجيل أبنائه ومتابعة تعليمهم والوصول بهم إلى مدارس مناسبة.
ومن القضايا التي تستحق المراجعة الجادة إغلاق بعض المدارس أو ضمها إلى مدارس أخرى في ظل ما يراه أولياء الأمور من نقص في المقاعد الدراسية وارتفاع الكثافة الطلابية في بعض المواقع.إن قرارات إغلاق المدارس أو دمجها بهدف خفض نسبة المباني المستأجرة لا ينبغي أن تُبنى على اعتبارات إدارية أو تشغيلية مجردة بل يجب أن تستند إلى دراسات سكانية وتعليمية دقيقة تراعي التوسع العمراني وأعداد الأطفال في الأحياء والتوقعات المستقبلية للنمو والمسافات التي يضطر الطلاب إلى قطعها للوصول إلى مدارسهم فإذا أُغلقت مدرسة أو دُمجت مع أخرى دون توفير بديل كافٍ وقريب فإن المشكلة لا تختفي بل تنتقل إلى مدرسة أخرى وتزداد كثافة فصولها وتتضاعف الأعباء على إدارتها ومعلميها ويتحمل الطالب وولي الأمر نتائج ذلك.ومن هنا فإن المطلوب ليس الاكتفاء بتفسير أسباب الدمج أو الإغلاق وإنما مراجعة نتائجه على أرض الواقع والتحقق من مدى ملاءمة القرارات للاحتياج الفعلي وتصحيح ما يثبت أنه أسهم في تفاقم أزمة المقاعد الدراسية.ومن المؤلم أن تتواصل معاناة الأسر في البحث عن مدارس تستوعب أبناءها في الوقت الذي توجد فيه مشروعات مدرسية متعثرة منذ عدة سنوات لم تدخل الخدمة حتى الآن وفق ما يتداوله الأهالي ويطالبون بمعالجته.إن استمرار تعثر المشروعات التعليمية لسنوات يعني تأخر الاستفادة من مرافق خُصصت لتلبية احتياجات المجتمع ويعني استمرار الضغط على المدارس القائمة في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى كل فصل دراسي وكل مقعد تعليمي.وإذا كانت هذه المشروعات قد أُنشئت أصلًا لتلبية الاحتياج التعليمي فإن السؤال الذي ينبغي أن يجد إجابة واضحة هو : ما أسباب تعثرها؟ وما الجهات المسؤولة عن معالجة العوائق التي تحول دون استكمالها وتشغيلها؟ وما الجدول الزمني المحدد لدخولها الخدمة؟ إن المطلوب هو حصر جميع المشروعات المدرسية المتعثرة في منطقة تبوك وتصنيفها بحسب أسباب التعثر وتحديد المسؤوليات وإعلان برنامج زمني واضح لاستكمالها وتشغيلها مع إعطاء الأولوية للمشروعات الواقعة في الأحياء الأكثر احتياجًا.
فليس من المقبول أن تبقى المشروعات التعليمية سنوات طويلة خارج الخدمة بينما تعاني مدارس أخرى من الاكتظاظ ويظل أولياء الأمور في رحلة بحث عن مقاعد دراسية مناسبة لأبنائهم.
ومن صور المعاناة التي تواجه بعض الأسر أن يسكن الطالب في حي بينما تكون المدرسة التي يتوفر فيها مقعد له في حي آخر يبعد عدة كيلومترات عن منزله. وهذا يفرض على الأسرة أعباء إضافية في النقل والوقت والتكاليف ويؤثر في تنظيم يوم الطالب والأسرة خصوصًا عندما يكون لدى الأسرة أكثر من ابن أو ابنة في مراحل دراسية مختلفة.وتزداد هذه المعاناة لدى الأسر التي لا تتوافر لها وسيلة نقل مناسبة أو التي ترتبط ظروف عمل أفرادها بمواعيد ومسؤوليات لا تسمح لهم بالتنقل المتكرر.كما أن هذه المشكلة تمثل تحديًا أكبر للأسر العسكرية التي تشكل شريحة كبيرة ومهمة من سكان مدينة تبوك إذ تفرض طبيعة العمل العسكري على كثير من منسوبي القوات المسلحة والقطاعات العسكرية التزامات ميدانية ومناوبات وظروفًا عملية قد لا تسمح لهم بالتواجد المستمر مع أبنائهم أو تولي مسؤولية إيصالهم ومتابعتهم يوميًا.وهنا ينبغي التأكيد أن توفير مدرسة قريبة من منزل الطالب ليس مجرد مطلب للراحة بل هو جزء من التخطيط الحضري والتعليمي الذي يراعي احتياجات السكان ويخفف الأعباء عن الأسر ويحقق قدرًا أكبر من العدالة في الوصول إلى الخدمات .
ومن المشاهد التي تستدعي المعالجة ما يشهده مقر إدارة التعليم في بداية العام الدراسي من تجمع أعداد كبيرة من أولياء الأمور ووقوفهم في طوابير داخل فناء الإدارة بحثًا عن مدارس مناسبة لأبنائهم أو محاولين الحصول على مقاعد دراسية في مواقع قريبة من منازلهم.إن اضطرار ولي الأمر إلى مراجعة إدارة التعليم والانتظار لساعات من أجل إيجاد مقعد دراسي لابنه أو ابنته يعكس حجم الصعوبة التي تواجه بعض الأسر في الحصول على الخدمة التعليمية في الوقت المناسب.وهذه الصورة فضلًا عما تسببه من مشقة للأهالي تثير تساؤلات حول كفاية الاستعدادات المبكرة للعام الدراسي ومدى دقة تقدير الاحتياج الفعلي للمدارس وفاعلية إجراءات القبول والتوزيع على المدارس.فمن حق ولي الأمر أن يجد إجراءات واضحة وميسرة ومن حق الطالب أن يبدأ عامه الدراسي دون تأخير أو تنقل مرهق بين الأحياء ومن واجب الجهات المعنية أن تستبق هذه المشكلات بالتخطيط والاستعداد بدلًا من التعامل معها بعد أن تتفاقم وتتحول إلى أزمة تتكرر مع كل عام دراسي.
ولا شك أن تطوير الخدمات الإلكترونية للقبول والتوزيع يمكن أن يسهم في تخفيف الازدحام لكنه لن يكون حلًا كافيًا إذا كانت المشكلة الأساسية هي نقص المقاعد الدراسية أو عدم توافر المدارس في المواقع التي تحتاج إليها
إن معالجة هذه التحديات لا تحتمل الاكتفاء بالحلول المؤقتة ولا ينبغي أن تظل معاناة الأهالي مرتبطة ببداية كل عام دراسي ثم تعود في العام الذي يليه. المطلوب خطة واضحة بجدول زمني محدد ومؤشرات أداء يمكن قياسها ومتابعتها.
إن هذه المطالب ليست انتقاصًا من الجهود التي تُبذل في قطاع التعليم ولا تجاهلًا لما قد تواجهه الجهات المعنية من تحديات وإنما هي دعوة صادقة إلى مراجعة الواقع والاستماع إلى صوت المواطن ومعالجة أوجه القصور حيثما وجدت بما يتناسب مع تطلعات القيادة الرشيدة واهتمامها بالتعليم وجودته.



