
في يوم المدير العالمي.. حين يخطئ الكرسي في اختيار صاحبه
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: عبدالله عقلاء العزاره
في يوم المدير العالمي، تتوالى عبارات التهنئة، وتتجدد شعارات القيادة والنجاح، وتُسلَّط الأضواء على من يتولون المناصب الإدارية. لكن وسط هذا الاحتفاء، يظل سؤال يستحق التأمل: هل كل من يجلس على كرسي الإدارة جدير بأن يكون قائدًا؟
فالمنصب يمنح صاحبه صلاحيات، لكنه لا يمنحه بالضرورة الحكمة، والكرسي قد يرفع صاحبه وظيفيًا، لكنه لا يضمن له احترام الآخرين أو ثقتهم. فالقيادة ليست لقبًا يُمنح، بل مسؤولية تثبتها المواقف، وتكشف حقيقتها القرارات.
في بعض بيئات العمل، يتحول نقل الأحاديث والنميمة إلى وسيلة للتأثير في القرارات، وتُقدَّم الوشاية على أنها حرص على المصلحة العامة، ويُفسَّر التشدد على أنه حزم، بينما تكون النتيجة بيئة يسودها الحذر، وتتراجع فيها الثقة، وينشغل الموظف بما يقال عنه أكثر من انشغاله بإنجاز مهامه.
وتتجلى خطورة هذه الممارسات في ذلك المدير الذي تصله الأخبار أسرع من الحقائق، ويعرف التفاصيل من الأحاديث الجانبية، ويمنح ناقل الكلام ثقة قد لا يمنحها لصاحب الشأن. لا يحتاج إلى تحقيق طويل؛ فالرواية الأولى قد تكفيه أحيانًا ليكوّن حكمًا، أما الطرف الآخر فقد ينتظر حتى تُتاح له فرصة الكلام، وربما لا تأتي.
والمشكلة هنا ليست في المدير وحده، بل في ثقافة إدارية تسمح للكلمة المنقولة أن تسبق الحقيقة، وللانطباع أن يسبق التحقق، وللشك أن يحل محل الثقة. فالحازم يواجه بالحقيقة، والجبان يختبئ خلف الآخرين.
ومن أخطر الأخطاء الإدارية أن يُبنى الحكم على رواية واحدة، دون التحقق من الوقائع أو الاستماع إلى جميع الأطراف. فالإدارة العادلة لا تكتفي بما يصل إليها من معلومات، بل تمنح صاحب الشأن حقه في التوضيح، وتفصل بين الحقائق والانطباعات، وبين الخلافات الشخصية ومصلحة العمل.
وحين يصبح التخبط أسلوبًا في الإدارة، تتضارب التوجيهات، وتتداخل المسؤوليات، ثم يبدأ البحث عن شخص تُحمَّل عليه أخطاء الفوضى، بدلًا من مراجعة القرارات ومعالجة أسباب الخلل.
والظلم الإداري لا يأتي دائمًا في صورة عقوبة معلنة؛ فقد يبدأ بتجاهل موظف مجتهد، أو تفضيل من يجيد الحديث على من يجيد العمل، أو حرمان المستحق من فرصته، أو تحميل أحد الموظفين مسؤولية قرار لم يشارك في صنعه. وقد تبدو هذه الممارسات بسيطة في نظر من يتخذها، لكنها تترك أثرًا عميقًا في معنويات الموظفين وثقتهم.
وهنا تظهر حقيقة لا ينبغي أن تغيب عن أي مسؤول: العدالة الإدارية ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل أساس لاستقرار بيئة العمل ونجاحها.
فالمدير الواثق من قيادته لا يحتاج إلى الوسطاء لإدارة الخلافات، ولا يصدر أحكامه من خلف الأبواب المغلقة، بل يواجه بوضوح، ويستمع بإنصاف، ويتحقق قبل أن يقرر. وهو يدرك أن الحزم لا يعني التضييق، وأن السلطة لا تمنحه حق تجاوز الآخرين أو مصادرة أصواتهم.
والقائد الحقيقي لا يخشى الاعتراف بالخطأ، ولا يرى في مراجعة قراراته انتقاصًا من مكانته؛ بل يدرك أن تحمّل المسؤولية وتصحيح المسار من علامات القوة الإدارية. فالقيادة تظهر حقيقتها عند الخلاف، حين يصبح الإنصاف أصعب من إصدار الحكم المتسرع.
وفي يوم المدير العالمي، لا ينبغي أن يقتصر التقدير على من يشغلون المناصب، بل أن يمتد إلى من يمنحونها قيمتها الحقيقية بسلوكهم وعدلهم ونزاهتهم.
فالمدير الجدير بالتقدير هو من ينصف المجتهد، ويحمي بيئة العمل من التجاوزات، ويجعل الحوار سبيلًا لحل الخلافات، ويتحمل مسؤولية قراراته. وهو من يدرك أن نجاحه لا ينفصل عن نجاح فريقه، وأن احترام الموظفين لا يُفرض بالسلطة، بل يُكتسب بالعدل والثقة.
فالمكانة الإدارية لا تُقاس بعدد من يخشون صاحبها، بل بعدد من يثقون بإنصافه، ولا تُقاس قيمة المدير بكثرة قراراته، بل بسلامة تلك القرارات وقدرته على تحمل نتائجها.
في نهاية المطاف، المناصب مؤقتة، والكراسي تتغير، والمسميات الوظيفية تتبدل، لكن أثر الإنسان يبقى في ذاكرة من عملوا معه؛ إما أثرًا طيبًا يستحق التقدير، وإما تجربة تكشف أن السلطة وحدها لا تصنع قائدًا.
ولهذا، فإن أصدق تهنئة في يوم المدير العالمي ليست لمن جلس على كرسي الإدارة فحسب، بل لمن أثبت أنه أهل للمسؤولية التي يحملها.
فالمنصب يُمنح، أما القيادة فتُثبتها المواقف، ويشهد لها العدل.



