السياحة والترفيه

رستم الكبيسي.. سيرةُ إنجازٍ صنعت ملامح السياحة والتراث في جازان

من الإدارة والتخطيط الاستراتيجي إلى بناء الوجهات السياحية.. مسيرة قيادية تجمع بين الرؤية التنموية وذاكرة المكان
في مسيرة الرجال الذين يتركون أثرًا في ذاكرة المكان، لا تُقاس الإنجازات بما تشيّده الأيدي وحدها، بل بما توقظه من حياة، وما تحفظه من إرث، وما تفتحه من آفاق للمستقبل. فهناك رجالٌ يعبرون المواقع والمسؤوليات، وهناك رجالٌ يتركون في كل موقع بصمة، وفي كل مسؤولية تجربة، وفي كل مشروع حكاية تستحق أن تُروى.
ويأتي المهندس رستم بن مقبول حسين الكبيسي ضمن الكفاءات الإدارية والقيادية التي ارتبطت مسيرتها بتطوير السياحة والتراث الثقافي في منطقة جازان، مستندًا إلى خبرة مهنية تمتد إلى خمسة وثلاثين عامًا، تنقّل خلالها بين الإدارة والتخطيط الاستراتيجي وتطوير الأعمال، جامعًا بين الفكر المؤسسي والطموح التنموي، وبين استثمار مقومات المكان وصون ذاكرته التاريخية والحضارية.
حصل الكبيسي على درجة البكالوريوس في الإدارة الصناعية من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن عام 1991م، لينطلق في مسيرة مهنية أمدّته خبراتها المتراكمة برؤية تتجاوز حدود الإدارة التقليدية إلى آفاق التخطيط وصناعة الفرص، وتطوير المشاريع، وبناء الشراكات، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.
وتولى خلال مسيرته عددًا من المناصب القيادية، من أبرزها منصب نائب رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لشؤون الآثار والمتاحف سابقًا، ومدير عام فرع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بمنطقة جازان، إلى جانب أمانة مجلس التنمية السياحية بالمنطقة؛ وهي مسؤوليات أتاحت له الإسهام في مسار تنموي يستهدف إبراز ثراء جازان الطبيعي والثقافي، وتحويل مقوماتها المتنوعة إلى وجهات تستقطب الزوار، وتمنح التراث حضورًا حيًا في مشهد التنمية الحديثة.
ولعل أجمل ما في التجارب التنموية أنها لا تكتفي برسم الخطط على الورق، بل تمنح المكان فرصة ليحكي قصته من جديد. ففي جازان، حيث تعانق الجبال السحاب، وتنساب السهول نحو البحر، وتتوزع الجزر كحبات لؤلؤ على صفحة الماء، تتعدد الحكايات وتتنوع الشواهد، ويغدو العمل السياحي مسؤولية تتجاوز الترويج للمواقع إلى اكتشاف روحها، وصون خصوصيتها، وتقديمها للأجيال والزائرين بما يليق بتاريخها ومكانتها.
وفي هذا السياق، أسهم الكبيسي في تطوير عدد من المواقع السياحية البارزة بالمنطقة، من بينها مرسى الحافة السياحي، وقرية القصار التراثية في جزر فرسان، وجزيرة حبار بمدينة جازان؛ وهي مواقع تتباين في طبيعتها وملامحها، لكنها تلتقي في قدرتها على استحضار جمال المكان، وربط الإنسان ببيئته، وفتح آفاق أوسع للاستثمار السياحي.
فمرسى الحافة يستحضر علاقة جازان القديمة بالبحر، وما تختزنه سواحلها من ذاكرة الصيد والملاحة والحياة الاجتماعية، فيما تمثل قرية القصار بفرسان إحدى الصفحات المضيئة في سجل التراث العمراني والإنساني للجزر، بما تحمله من شواهد على حياة الأجداد وتقاليدهم وطرائق عيشهم. أما جزيرة حبار، فتختزن مقومات طبيعية وسياحية تجعلها جديرة بمزيد من الاهتمام والتطوير، لتكون جزءًا من منظومة الوجهات البحرية التي يمكن أن تثري تجربة الزائر وتعزز جاذبية المدينة الساحلية.
ولم تكن تجربة الكبيسي محصورة في القطاع السياحي، بل امتدت إلى العمل البلدي والتنموي؛ إذ تولى رئاسة المجلس البلدي بأمانة منطقة جازان، كما كان عضوًا في مجلس المنطقة، الأمر الذي أتاح له الإسهام في مناقشة قضايا التنمية المحلية، واستيعاب احتياجات المجتمع، والربط بين متطلبات التخطيط الحضري وتطلعات المواطنين.
وهنا تتجلى قيمة الخبرة حين تتكامل حلقاتها؛ فالإدارة تمنح القدرة على التنظيم، والتخطيط يرسم الطريق، والعمل الميداني يكشف احتياجات الواقع، فيما تظل الشراكات الفاعلة هي الجسر الذي تعبر من خلاله الأفكار إلى مشاريع ملموسة ونتائج مستدامة.
إن تجربة المهندس رستم الكبيسي تقدم صورة لمسار مهني تشابكت فيه الإدارة بالسياحة، والتنمية بالتراث، والتخطيط بفرص الاستثمار. وهي تجربة تذكّر بأن الوجهات السياحية ليست مجرد مبانٍ ومرافق ومشاهد جميلة، وإنما منظومة متكاملة من الهوية والخدمات والتجربة الإنسانية، وأن الحفاظ على الموروث لا يتعارض مع التطوير، بل يمنحه جذوره التي يستمد منها أصالته واستمراره.
وفي منطقة تزخر بمقومات طبيعية وثقافية استثنائية مثل جازان، تتضاعف أهمية العقول التي تدرك أن المستقبل لا يُبنى بقطع الصلة بالماضي، بل باستلهام حكمته وإعادة تقديمه بلغة العصر؛ لتظل القرى التراثية شاهدة على ذاكرة الإنسان، وتتحول المراسي والجزر إلى نوافذ للأمل والاستثمار، وتصبح السياحة رافدًا للتنمية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية.
وهكذا تبقى سيرة المهندس رستم بن مقبول الكبيسي فصلًا من فصول العمل التنموي في جازان؛ سيرة رجلٍ جمع بين الخبرة الإدارية والرؤية السياحية، وأسهم في مسار تطوير مواقع تحمل من جمال الطبيعة وعمق التاريخ ما يجعلها جديرة بأن تُروى حكايتها، وأن تستمر رسالتها من ذاكرة الأمس إلى آفاق الغد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى