
الصحة النفسية .. حين يصبح الوعي ضرورة والاحتواء مسؤولية… بقلم الكاتبه هناء الهجاري
أصبح الوعي بالصحة النفسية والعقلية من القضايا المهمة في حياة الإنسان المعاصر في ظل ما يواجهه من ضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية تؤثر في استقراره وجودة حياته. لذلك بات الاهتمام بالصحة النفسية والسعي إلى تحقيق التوازن الداخلي ضرورة لا تقل أهمية عن العناية بالصحة الجسدية. فالإنسان لا يعيش بمعزل عن محيطه بل يتأثر بعلاقاته وتجاربه وظروفه اليومية وقد يجد نفسه أمام أعباء تفوق قدرته على الاحتمال في بعض مراحل حياته.
ولا يقتصر الوعي بالصحة النفسية على معرفة أسباب التعب أو البحث عن وسائل لتجاوزه بل يشمل فهم طبيعة المعاناة النفسية وآثارها في الإنسان وكيفية التعامل معها بوعي ورحمة. فخلف بعض الوجوه الهادئة حكايات لا نعرف تفاصيلها وخلف بعض الابتسامات محاولات مستمرة لاستعادة التوازن ومواصلة الحياة رغم ما تركته التجارب المؤلمة من آثار.
ما بعد التعب النفسي ليس دائمًا نهاية المعاناة بل قد يكون بداية رحلة طويلة نحو التعافي.
حين يمر الإنسان بتجربة نفسية مؤلمة فقد يحتاج إلى وقت ليستعيد شعوره بالأمان والثقة والقدرة على التعامل مع المواقف اليومية. وقد تتغير نظرته إلى بعض العلاقات ويصبح أكثر حرصًا على حماية مساحته النفسية أو أقل قدرة على تحمل الضغوط التي كان يتعامل معها سابقًا بسهولة. ولا يعني ذلك بالضرورة ضعفًا في شخصيته أو عجزًا عن مواجهة الحياة بل إن التجارب تختلف من شخص إلى آخر وكذلك تختلف طرق الاستجابة لها واحتياجات التعافي منها.
وتزداد صعوبة الرحلة حين يجد الإنسان نفسه مضطرًا إلى مواجهة أحكام الآخرين إلى جانب ألمه. فبدلًا من أن يجد التفهم قد يسمع عبارات تقلل من معاناته أو تتهمه بالمبالغة أو تطالبه بتجاوز ما حدث وكأن التعافي قرار يمكن اتخاذه في لحظة واحدة. وقد يجهل المحيطون به أن بعض الآثار النفسية لا تزول بمجرد انتهاء الظروف التي تسببت فيها وأن الإنسان قد يحتاج إلى دعم مستمر أو مساعدة متخصصة ليستعيد توازنه.
ومن المؤسف أن بعض المفاهيم الخاطئة لا تزال تحيط بالمرض النفسي إذ يربطه البعض بضعف الشخصية أو قلة الإرادة بينما الحقيقة أن الاضطرابات النفسية حالات صحية تتداخل في أسبابها عوامل متعددة ولا يصح الحكم عليها من المظهر الخارجي أو من موقف عابر. فكما لا يمكننا تشخيص مرض جسدي بمجرد النظر إلى صاحبه لا يمكننا فهم الحالة النفسية للإنسان دون معرفة ظروفه والاستعانة بالمختصين عند الحاجة.
إن الجهل بطبيعة المعاناة النفسية قد يجعل بعض التصرفات البسيطة في نظر الآخرين مصدرًا إضافيًا للألم لدى من يحاول التعافي. فكلمة قاسية أو سخرية عابرة أو تجاهل متكرر قد تعزز شعور الإنسان بأنه غير مفهوم أو أنه مضطر إلى إخفاء ما يمر به حتى لا يتعرض للانتقاد. وقد يدفعه ذلك إلى الصمت والابتعاد عن طلب المساعدة خوفًا من الأحكام المسبقة.
وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والمجتمع في بناء بيئة أكثر وعيًا وتفهمًا. فليس المطلوب أن يمتلك الجميع حلولًا لكل مشكلة أو أن يعرفوا تفاصيل ما يمر به الآخرون بل أن يتعلموا الإصغاء دون إصدار الأحكام واحترام الخصوصية وتجنب التقليل من المشاعر والمعاناة. وقد يكون الاحتواء في كثير من المواقف أن تمنح الإنسان مساحة آمنة للحديث أو تحترم حاجته إلى الهدوء أو تشجعه على طلب المساعدة المناسبة دون إشعاره بالخجل أو النقص.
كما أن رحلة التعافي لا تسير دائمًا في خط مستقيم فقد يشعر الإنسان بتحسن ثم يمر بأيام صعبة لا تعني بالضرورة أنه فقد كل ما حققه من تقدم. فالتعافي تجربة تختلف باختلاف الشخص وظروفه وقد تتطلب الصبر والاستعانة بالمختصين وتغيير بعض العادات أو وضع حدود صحية في العلاقات التي تستنزف طاقته النفسية. ومن المهم ألا نقارن تجارب الناس أو نفرض عليهم جدولًا زمنيًا للتعافي لأن لكل إنسان ظروفه واحتياجاته الخاصة.
وفي المقابل لا يعني تفهم المعاناة النفسية أن نترك الإنسان وحيدًا أمام ألمه أو نكتفي بالتعاطف معه بل ينبغي أن نساعد على تصحيح المفاهيم المغلوطة وأن نشجع على الوصول إلى الرعاية المتخصصة عند الحاجة. فالدعم الاجتماعي مهم لكنه لا يغني عن العلاج المهني عندما تستدعي الحالة ذلك. كما أن طلب المساعدة ليس عيبًا ولا دليلًا على الضعف بل خطوة واعية نحو المحافظة على الصحة واستعادة جودة الحياة.
إننا بحاجة إلى ثقافة اجتماعية تنظر إلى الصحة النفسية بوصفها جزءًا أصيلًا من صحة الإنسان وكرامته لا موضوعًا يثير الحرج أو مجالًا لإطلاق الأحكام. ثقافة تدرك أن اختلاف قدرة الناس على التحمل أمر طبيعي وأن ما يبدو بسيطًا لشخص قد يكون مرهقًا لشخص آخر وأن الرحمة لا تتطلب منا أن نعيش تجربة الآخرين حتى نحترم معاناتهم.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية تتجدد أهمية نشر الوعي والحد من الوصمة المرتبطة بالمرض النفسي وتعزيز ثقافة الاحتواء والدعم.
فالمجتمع الواعي لا يقيس قوة الإنسان بقدرته على إخفاء ألمه بل يتيح له مساحة آمنة للتعبير عنه وطلب المساعدة دون خوف من السخرية أو الانتقاص.
ختامًا
قد لا نعرف حجم المعارك التي يخوضها من حولنا ولا مقدار الجهد الذي يبذلونه حتى يواصلوا حياتهم بصورة طبيعية. لذلك فلنكن أكثر وعيًا في كلماتنا وأكثر رحمة في أحكامنا وأكثر احترامًا لخصوصية الآخرين. فبعض الكلمات قد تزيد الألم وبعض المواقف قد تمنح الإنسان شعورًا بالأمان وتساعده على مواصلة رحلة التعافي.
إن الصحة النفسية مسؤولية تبدأ بالوعي وتتسع بالتفهم وتترسخ بالاحتواء. وحين ندرك أن وراء كل إنسان قصة لا نعرف تفاصيلها سنتعلم أن نخفف أحكامنا ونمنح الآخرين ما يستحقونه من احترام ورحمة. فليس المطلوب أن نفهم كل ما يشعر به الآخرون بقدر ما ينبغي ألا نزيد معاناتهم جهلًا بما يمرون به



