البيئه

سدُّ وادي جازان.. حين أهدى الملك فيصل الأرضَ حياةً، وصاغ الماءُ تاريخَ التنميةمن صفحات التاريخ السعودي..

حكاية مشروعٍ استراتيجي دشّنه الأمير فهد بن عبدالعزيز عام 1391هـ، ليكون الماء وعدًا بالخير، والزراعة أملًا بالمستقبل، والتنمية شاهدًا على عناية الدولة بأرض جازان وإنسانها.

في ذاكرة الأوطان أيامٌ لا تمضي بانقضاء ساعاتها، ومشروعاتٌ لا تقف عند حدود الحجر والإسمنت، بل تمتد في وجدان الناس لتصبح حكاية عطاء، وعنوان نهضة، وشاهدًا على إرادة قيادةٍ آمنت بأن بناء الإنسان يبدأ من تهيئة أسباب الحياة، وأن الماء ليس مجرد موردٍ تفيض به الأرض، وإنما هو سرُّ اخضرارها، ونبض زراعتها، وأمل أجيالها.

ومن بين تلك الأيام المضيئة في سجل منطقة جازان، يبرز يوم السادس والعشرين من جمادى الأولى عام 1391هـ، الموافق الثالث والعشرين من مارس عام 1971م، حين احتفت المنطقة بافتتاح سد وادي جازان، في مناسبةٍ تاريخية جسّدت عناية الدولة بتنمية الجنوب، واستثمار موارده الطبيعية، وتوفير مقومات الاستقرار الزراعي لأبنائه.

هدية الملك.. وميلاد مرحلة جديدة

كان ذلك اليوم موعدًا مع حدثٍ تجاوز معناه حدود المناسبة الرسمية؛ إذ وصل صاحب السمو الملكي الأمير فهد بن عبدالعزيز، النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك، نائبًا عن جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز، إلى مطار أبي عريش، لافتتاح المشروع الذي حمل إلى أبناء جازان بشارة الخير، وجسّد اهتمام القيادة بتسخير إمكانات الدولة لخدمة المواطن.

وكان في استقبال سموه الشيخ محمد بن تركي السديري، وكيل إمارة منطقة جازان، نيابةً عن أمير المنطقة الشيخ تركي السديري، إلى جانب الأمراء والمسؤولين وأعيان المنطقة ورؤساء العشائر وجموع المواطنين الذين توافدوا منذ ساعات الصباح الأولى، مدفوعين بفرحة الإنجاز، وتطلّعًا إلى يومٍ تصبح فيه مياه الوادي أكثر قدرةً على خدمة الأرض والإنسان.

ولم تكن الحشود التي ازدانت بها مشارف السد مجرّد حضورٍ لمراسم افتتاح؛ بل كانت صورةً صادقةً لعلاقة الإنسان بأرضه، ولتلك الفرحة التي تسكن القلوب حين ترى مشروعًا طال انتظاره يتحول إلى واقعٍ ملموس، يحمل في مياهه وعدًا بموسمٍ أخضر، وفي منشآته أملًا بمستقبلٍ أكثر أمنًا واستقرارًا.

الماء.. حكاية الأرض التي انتظرت

لقد عرفت جازان، بما تمتلكه من أراضٍ زراعية خصبة وأودية موسمية، قيمة الماء في حياة أهلها، وعرفت كذلك ما تفرضه تقلبات المناخ من تحدياتٍ على المزارعين الذين ظلوا يسعون إلى استثمار أرضهم، مترقبين مواسم المطر، ومتطلعين إلى وسائل أكثر انتظامًا لحفظ المياه والاستفادة منها.

وفي كلمته خلال حفل الافتتاح، تناول وزير الزراعة والمياه آنذاك حسن المشاري خصوبة الأراضي في المنطقة، وما يواجهه المزارعون من ظروفٍ مناخية صعبة في سبيل تأمين مياه الري، مشيدًا بما حظي به المشروع من دعمٍ ومؤازرة من قيادة الدولة والمسؤولين.

ومن هنا تتجلى القيمة الحقيقية لسد وادي جازان؛ فهو ليس مجرد منشأةٍ هندسية أقيمت لحجز المياه، وإنما خطوةٌ في مسيرة إدارة الموارد الطبيعية، وتوفير مقومات التنمية الزراعية، وتعزيز قدرة المنطقة على الاستفادة من مياه السيول، بما يخدم الأرض ويمنح المزارع فرصةً أوسع للعمل والإنتاج.

فكم من أرضٍ تختزن في ترابها أسباب الازدهار، غير أنها تنتظر قطرة الماء لتبوح بأسرار خصوبتها! وكم من يدٍ تعبت في الحرث والغرس، وهي ترجو أن تجد في تدبير الماء عونًا يخفف مشقة السعي، ويجعل من عرق الفلاح ثمرةً يانعة، ومن انتظار الموسم حياةً تتجدد مع كل صباح.

منبرٌ للكلمة.. واحتفاءٌ بإنجاز الوطن

واكتسب الحفل بُعدًا وطنيًا وثقافيًا، إذ تعاقب على منبره عددٌ من المسؤولين والأدباء والشعراء، في مشهدٍ امتزجت فيه لغة الإنجاز بلغة الوفاء، وتجاورت فيه الكلمة الرسمية مع القصيدة التي عبّرت عن مشاعر الناس وتطلعاتهم.

واستُهل الحفل بكلمة راشد الحمدان، مدير الإعلام بوزارة الزراعة والمياه، أعقبتها كلمة الوزير حسن المشاري، ثم ألقى عبدالله بن خميس، رئيس مصلحة مياه الرياض، قصيدةً تفاعل معها الحضور بالتصفيق والاستحسان.

كما عبّر الشيخ علي بن مديش، نائب رئيس المحاكم في مقاطعة جازان، في كلمة الأهالي، عن شكرهم وامتنانهم لهذا المشروع الكبير، مؤكدًا ما يمثله من صورةٍ عملية لجهود الدولة في خدمة الوطن والمواطنين. وألقى الشاعر محمد علي السنوسي قصيدةً في المناسبة، فيما حملت كلمات أحمد عبيد، والشيخ زاهر بن عوض الألـمعي، وغيرهما من المشاركين، أصداء الفرح بإنجازٍ استثنائي في تاريخ المنطقة.

وهكذا لم يكن افتتاح السد حدثًا هندسيًا فحسب، بل مناسبةً اجتمعت فيها الإدارة والثقافة والشعر والمجتمع، لتقول جميعها إن المشروعات الكبرى لا تكتمل قيمتها بما تشيّده الأيدي وحدها، وإنما بما توقظه في النفوس من أمل، وما تتركه في ذاكرة الناس من اعتزازٍ وانتماء.

لحظة الافتتاح.. حين نطق الماء بلغة الأمل

وجاءت اللحظة التي انتظرها الحضور، حين أعطى الأمير فهد بن عبدالعزيز الإشارة إيذانًا بافتتاح السد، فتدفقت المياه وسط هتافات المواطنين، في مشهدٍ اختصر فرحة المنطقة بإنجازٍ طالما ارتبطت به آمال المزارعين وأحلام أبناء الوادي.

ثم توجّه سموه إلى البوابة الرئيسية، وقصّ الشريط معلنًا افتتاح السد، مستهلًا كلمته بقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وداعيًا إلى أن يحقق الله من ورائه النفع الطيب للوطن والمواطنين في ظل عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز.

وتفقد سموه، برفقة الأمراء والوزراء وكبار المدعوين، منشآت السد ومراحله، قبل أن تختتم المناسبة بمأدبة الغداء التي أقامها أمير المنطقة الشيخ تركي السديري تكريمًا لسموه وضيوفه.

كانت تلك اللحظة أكثر من مراسم افتتاح؛ كانت تعبيرًا عن انتقال الفكرة إلى واقع، وعن التقاء التخطيط والعمل بإرادة القيادة وتطلعات المجتمع. فحين تجري المياه في مجاريها، لا تسمع الأرض خريرها وحده، بل تسمع معه صوت الأمل وهو يعلن بداية فصلٍ جديد من فصول التنمية.

ذاكرةٌ لا تشيخ.. وتنميةٌ تتوارثها الأجيال

وبعد أكثر من خمسة عقود على ذلك الحدث التاريخي، يبقى سد وادي جازان علامةً بارزةً في ذاكرة التنمية بالمنطقة، وشاهدًا على مرحلةٍ اتجهت فيها الدولة إلى بناء مشروعات البنية الأساسية، وتطوير الموارد المائية، وتعزيز مقومات الحياة والإنتاج في مختلف مناطق المملكة.

ولعل أجمل ما في استعادة هذه المناسبة أنها لا تستدعي الماضي من أجل الحنين إليه فحسب، وإنما تفتح نافذةً لفهم الحاضر واستشراف المستقبل؛ فالمشروعات التي تنشأ لخدمة الإنسان تظل رسالتها ممتدةً ما دامت الأجيال تستفيد منها، وما دامت التنمية تواصل مسيرتها نحو آفاقٍ أرحب.

إن سد وادي جازان يذكّرنا بأن التاريخ لا تصنعه الأحداث السياسية وحدها، ولا تحفظه أسماء الرجال والتواريخ في الوثائق فقط؛ بل تصنعه أيضًا المشروعات التي تغيّر حياة الناس، وتمنح الأرض فرصةً جديدةً للعطاء، وتترك في ذاكرة المكان أثرًا لا تمحوه السنون.

وإذا كانت الأنهار تكتب حكاياتها في مسيرها إلى البحار، فإن الأودية تكتب حكاياتها حين تجد من يحسن إدارة مياهها، ويصون مواردها، ويوظفها في خدمة الإنسان. وهكذا غدا سد وادي جازان صفحةً من صفحات الوفاء بين القيادة والمواطن، وبين الأرض والماء، وبين ماضٍ وضع الأساس وحاضرٍ يواصل البناء.

فالماء الذي احتُفي بتدفقه في ذلك الصباح من عام 1971م لم يكن مجرد مياهٍ انطلقت من بوابات السد؛ بل كان رمزًا لعهدٍ من التنمية، ورسالةً بأن خير الأوطان يبدأ حين تمتد يد الدولة إلى أرضها، فتمنحها أسباب الحياة، وتفتح لأبنائها أبواب الأمل، وتترك للأجيال ذاكرةً تروي أن هنا، في وادي جازان، كان للماء يومٌ صار فيه عنوان للتاريخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى