الرياضة

«همة» التطوعي يفتح نافذة جديدة على عالم الخيل.. وميدانٌ يروي حكاية الشغف والإنجاز

حين دخلنا من بوابة أكاديمية فيوتشر هورس للفروسية، لم يكن الطريق إلى الميدان طريقًا عابرًا؛ فقد انطلقت بنا السيارة بين ظلالٍ وارفة، تتعانق فيها أشجار اللوز، وكأن الطبيعة كانت تهيئنا للقاء عالمٍ آخر، عالمٍ تتجاور فيه رائحة الأرض مع صهيل الخيل، ويصبح للجمال صوتٌ لا يسمعه إلا من أحب الفروسية وأدرك سرها.

وبعد أن توقفت بنا السيارة، كان في استقبالنا الأستاذ إبراهيم البواب، الإعلامي والرجل التنفيذي في الأكاديمية، الذي اصطحبنا في جولة بين مرافقها، حيث بدا ميدان الفروسية والمضمار شاهدين على حركة لا تهدأ، وعلى منظومة تدريبية تُدار بشغفٍ وانضباط.

وكانت التدريبات قد أوشكت على نهايتها، غير أن الميدان لم يخلُ من المشهد الذي يأسر العين؛ فقد شاهدنا استعراضات للفرسان والفارسات، وحركاتٍ فروسية متقنة تدعو إلى الفخر، وتكشف عن مستوى من المهارة والثقة لا يأتي من المصادفة، وإنما من التدريب والممارسة والصبر.

وفي الميدان تتاح للزوار فرصة الاستمتاع بسباقات الخيل ومشاهدتها عن قرب، والوصول إلى مرافقه والاستمتاع بالأجواء المحيطة بالمضمار، في تجربة تمنح الفروسية حضورها الحقيقي، وتقرّب الجمهور من هذه الرياضة الأصيلة.

من الميدان تبدأ الحكاية

وفي جولتنا التقينا المدرب الأستاذ أحمد زعلة، الذي رحّب بنا، وكان حضوره يحمل الكثير من ملامح الميدان؛ فخلف كل إنجاز فارسٍ أو فارسة، مدربٌ يؤمن بالموهبة، ويصقلها بالتدريب، ويعرف أن صناعة الأبطال لا تكون في يومٍ واحد.

ويُعد زعلة أحد الأسماء التي تقف خلف جانب من الإنجازات التي تحققت في الميدان، بما يقدمه من تدريب ومتابعة وصقل للفرسان والفرسات.

كما التقينا الأستاذ علي خبراني، ورافقنا في جولة بين مرافق الخيل، امتدت إلى المساحات المحيطة بالأكاديمية، وفي قلب مزارع أشجار المانجو، حيث لاحظنا نشاطًا متواصلًا، وعروضًا وتدريبات فروسية رائعة، تؤكد أن المكان لا يحتضن الخيل فحسب، بل يحتضن منظومة متكاملة من التدريب والممارسة وصناعة التجربة.

«ركوب الخيل.. مهارة وثقة»

وفي هذا المشهد الجميل، أتاحت لنا الأكاديمية الاستمتاع بمبادرة «ركوب الخيل.. مهارة وثقة»، التي ينفذها فريق همة التطوعي التابع لجمعية رواد العمل التطوعي بجازان، بدعم وشراكة عدد من الجهات.

وهي مبادرة تحمل في عنوانها رسالتها؛ فركوب الخيل ليس مهارة جسدية فحسب، بل مدرسة في الثقة بالنفس، والانضباط، والشجاعة، والصبر، وتحمل المسؤولية. وحين يلتقي ذلك كله بروح العمل التطوعي، تتحول المبادرة إلى تجربة إنسانية جميلة، تصنع الفرح وتترك أثرًا في النفوس.

وقد كان حضور الأطفال والفتيات في المبادرة صورةً أخرى من صور المستقبل؛ رسمٌ وتلوين، وفرقة أطفال استعراضية، وتجربة ركوب الخيل، ووجوه صغيرة تتعلم أن الثقة تُكتسب، وأن النجاح يبدأ أحيانًا من خطوة صغيرة فوق صهوة جواد.

شموخ.. اسمٌ يليق بالميدان

ومن بين الوجوه التي التقينا بها في الأكاديمية كانت الفارسة شموخ غالي، إحدى النماذج الملهمة في عالم الفروسية، والحاصلة على المركز الأول في سباق الجنوبية، والمركز السابع على مستوى المملكة، والمركز الثاني في دوري الجمعية، وهي من مواليد عام 1424هـ.

كان اللقاء معها يحمل شيئًا من حكاية الفروسية نفسها؛ فتاةٌ اختارت صهوة الجواد طريقًا، فوجدت فيها مساحةً للتميز، وميدانًا تختبر فيه قدرتها على المنافسة والإنجاز.

ولم يكن المشهد مقتصرًا على أصحاب الخبرة؛ فقد التقينا كذلك بأصغر فارسة «سماء» والفارس «عزام»، وهما يقدمان صورة مبكرة لجيل جديد قد يحمل راية الفروسية في قادم الأيام.

الفروسية.. ذاكرةٌ تتجدد

وفي أكاديمية فيوتشر هورس، لا تبدو الخيل مجرد رياضة؛ إنها علاقة بين الإنسان والمكان، وبين الفارس وجواده، وبين التدريب والحلم.

فالجواد لا يمنح فارسه سرعته فحسب، وإنما يعلمه شيئًا من الصبر، ويطالبه بالثقة، ويكشف له أن السيطرة لا تعني القوة وحدها، بل تعني التوازن والهدوء وفهم اللحظة.

وهنا، بين أشجار اللوز والمانجو، وعلى وقع حوافر الخيل، بدا لنا أن «ركوب الخيل.. مهارة وثقة» ليست مجرد مبادرة تطوعية عابرة، بل رسالة تتجاوز ساعات الفعالية إلى معنى أعمق: أن نمنح أبناءنا تجربة، وأن نفتح أمامهم بابًا للثقة، وأن نعرّفهم بجمال الفروسية وقيمها الأصيلة.

وكانت أكاديمية فيوتشر هورس للفروسية شريكًا كريمًا في هذه التجربة، بما توفره من ميدان ومرافق وبيئة تدريبية، وبما تقدمه من مساحة تلتقي فيها الرياضة بالتعلم، والهواية بالإنجاز، والشغف بالاحتراف.

وفي نهاية الجولة، ظل صهيل الخيل في الذاكرة، كأنه تحية للمكان وأهله؛ وظلت صورة الفرسان والفارسات وهم يؤدون حركاتهم بثقةٍ واتزان، تقول إن الفروسية في جازان ليست حكاية من الماضي، بل مشهدٌ يتجدد، ومواهب تُصقل، وأحلامٌ تستعد لأن تمتطي صهوة المستقبل.

فحين يلتقي الجواد بالفارس، لا تبدأ سباقًا فحسب.. بل تبدأ حكاية ثقة، وقد تنتهي بإنجازٍ يستحق الحديث عنه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى