مقالات

فعلامَ الهمّ إذن … بقلم الكاتب والاعلامي عبدالله بنجابي

يمرّ بالإنسان في مسار حياته أيامٌ تثقل فيها كواهلُه، وتتكاثر عليه الهواجس والوساوس؛ قلقٌ على الرزق، وخوفٌ من الغد، وترقّبٌ مجهد لما تخبئه الأيام. وفي خضم هذا التيه الإنساني،

تأتي الحكمة الصادقة كبلسم يعيد ترتيب الفوضى داخل النفس، تماماً كالمحاورة البليغة التي نُقلت عن الزاهد إبراهيم بن أدهم حين رأى رجلاً أنهكه الهمّ، فسأله ثلاثاً حاسمة:
​«أيجري في هذا الكون شيء لا يريده الله؟ أو ينقص من رزقك شيء قدره الله؟ أو ينقص من أجلك لحظة كتبها الله؟»، وحين كانت إجابة الرجل بداهةً بـ «لا»، جاء السؤال الفاصل: «فعلامَ الهمّ إذن؟!».
​تضعنا هذه الكلمات أمام الحقيقة الكبرى التي نغفل عنها تحت وطأة المشاغل: حقيقة التسليم واليقين.
​إن التفكير السليم لا يدعو المرء إلى التواكل أو القعود؛ فالسعي عبادة، والأخذ بالأسباب واجب فُطرنا عليه وأُمرنا به. لكن الفرق جوهريٌّ وعميق بين «الاهتمام» و«الهمّ». الاهتمام يدفعك للعمل والتخطيط والبناء بذهن متقد ونفس هادئة، أما الهمّ والغمّ فيستنزفان الروح، ويسلبان راحة البال، ويحبسان الإنسان في دائرة من القلق العاجز تجاه أمور ليست بيده أصلاً.
​الرزق مقسومٌ ولن يفوته صاحبه، والأجل محتومٌ بدقائقه وثوانيه، والكون كله يدور بحكمة بالغة ولطف خفيّ لا تحده أفهامنا القاصرة. حين يستقر هذا المعنى في القلب، تتلاشى أثقال الخوف؛ لأن الإنسان يعلم حينها أنه في تدبيرٍ أرحم به من تدبيره لنفسه.
​إن علاج قلق النفس يبدأ بوقف استنزاف الحاضر في الخوف من المستقبل. فلنسعَ بما نملك من قوة وأمانة، ولنفرغ قلوبنا مما تكفّل به الخالق سبحانه؛ فحينها فقط يستشعر المرء حلاوة الطمأنينة، ويدرك ألا شيء في هذه الحياة يستحق أن نحمل له هماً يقضّ مضاجعنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى