
الفنان التشكيلي بكرين الريشة التي لم يهزمها المرض
رمضان بكرين.. فنان جازاني حمل البحر والوطن إلى لوحاته، وظلّ وفيًا للريشة حتى وهي ترتجف بين يديه
في حياة الفنانين أشياء لا تُرى في اللوحات، ولكنها تُقرأ في خطوطها وألوانها؛ فالفنان لا يرسم ما تراه العين وحدها، وإنما يرسم شيئًا من روحه، ويترك في كل لون قبسًا من وجدانه، وفي كل خط أثرًا من أيامه وذكرياته.
ومن أولئك الذين جعلوا من الريشة لغةً للحياة، ومن اللون ذاكرةً للمكان، يأتي الفنان التشكيلي رمضان محمد بكرين، أحد الأسماء البارزة في المشهد التشكيلي بمنطقة جازان، ومدير الجمعية السعودية للفنون التشكيلية «جسفت» في جازان حاليًا، بما يحظى به من حضور وتقدير واسع بين الفنانين والمهتمين بالحركة التشكيلية في المنطقة.
ولد بكرين في جازان، وحصل على دبلوم التربية الفنية من الرياض، غير أن علاقته بالفن بدأت قبل الشهادة بسنوات طويلة؛ فمنذ المرحلة الابتدائية كانت يده تبحث عن الورق، وكانت عيناه تلتقطان من الطبيعة ما لا يلتقطه الآخرون.
ولم يكن البحر بالنسبة إليه مجرد مساحة زرقاء تمتد أمام العين، بل كان مدرسة أولى للألوان والحركة؛ فرسم الزوارق والأمواج، ثم أخذته الريشة إلى أعماق البحر الأحمر، حيث الأسماك والمرجان والأعشاب البحرية، قبل أن تتسع تجربته لتحتضن الطبيعة الجازانية بكل ما فيها من جمال وتنوع وخصوصية.
وحين سُئل: لماذا اخترت الفن التشكيلي؟ جاءت إجابته أقرب إلى فلسفة الفنان في الحياة: «ليس اختيارًا، إنما وجدت نفسي أغوص فيه منذ صغري»؛ فقد وجد في الفن متنفسًا لروحه، وراحةً لنفسه، ومساحة يستطيع فيها أن يقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
ولذلك لا يستطيع بكرين أن يحصي عدد اللوحات التي رسمها؛ فالأعمال عند الفنان ليست أرقامًا تُعد، وإنما أعمارٌ وأحاسيس وذكريات. بعضها وصل إلى الجمهور، وبعضها لا يزال في مرسمه، وبعضها الآخر لم يجد طريقه إلى الضوء بعد.
الفن.. حكاية بدأت في البيت
وللأسرة في حكاية رمضان بكرين فصل لا يقل جمالًا عن فصول تجربته الفنية؛ فوالده ــ رحمه الله ــ كان نجارًا، وكان للعمل اليدوي والجمال الذي تصنعه يد الإنسان حضور في البيئة التي نشأ فيها.
أما شقيقه المهندس إبراهيم بكرين، فكان له دور كبير في تشجيعه وإخوته، حتى تحولت المنافسة داخل الأسرة إلى مساحة لاكتشاف المواهب، وأصبح الرسم جزءًا من حياة البيت، ولم يتوقف أثر تلك الروح عند جيل الأبناء، بل بدأت مواهب الأحفاد هي الأخرى تلوح في الأفق.
وهكذا لم يكن الفن في بيت بكرين نزوة عابرة، وإنما صار ذاكرة عائلية، تنتقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل.
من اللوحة إلى إدارة المشهد التشكيلي
ولم يكتفِ رمضان بكرين بأن يكون فنانًا يقف خلف لوحته، بل أصبح حاضرًا في المشهد التشكيلي من موقع المسؤولية، من خلال إدارته الحالية للجمعية السعودية للفنون التشكيلية «جسفت» في جازان، حيث يلتقي الفنانون والمواهب والتجارب، وتتقاطع الأحلام حول مستقبل الحركة التشكيلية في المنطقة.
وقد شارك أخيرًا في معرض «انطلاقة» الذي أقامته الجمعية السعودية للفنون التشكيلية، إلى جانب أعمال أخرى لا تزال قيد الإنجاز، في تجربة لا تزال مفتوحة على مزيد من العطاء.
حين يعجز الجسد.. تتقدم الروح
لكن الحكاية الأكثر تأثيرًا في سيرة بكرين هذه الأيام، ليست معرضًا ولا لوحة، وإنما هي ذلك المشهد الإنساني الذي نقله عنه الزميل والصديق الإعلامي يحيى دوم مدخلي.
فالمرض أثقل جسده، وأرقده على السرير الأبيض في أحد مستشفيات الطائف، وأبعده مؤقتًا عن مرسمه وفرشاته؛ غير أن المرض، مهما أثقل الجسد، لم يستطع أن يطفئ في داخله ذلك الشعور القديم الذي لازمه منذ طفولته: حب الوطن.
وحين أقبل اليوم الوطني، لم يستطع بكرين أن يكون بعيدًا عن الوطن، ولو كانت يده متعبة، ولو كان جسده يطلب الراحة.
أمسك فرشاته، وبدأ يرسم.
لم تكن اليد كما عهدها، ولم تكن الصحة كما عرفها، ولكن القلب كان في كامل عافيته حين يتعلق الأمر بالوطن.
خط لونًا، ثم آخر، وحاول أن يمنح اللوحة شيئًا من روحه، حتى غلبه التعب، فتوقفت الفرشاة قبل أن تكتمل اللوحة.
توقفت الفرشاة.. ولكن اللوحة لم تتوقف.
فقد اكتملت في معناها قبل أن تكتمل في ألوانها؛ لأنها حملت شهادة صامتة على أن هناك أشياء لا يستطيع المرض أن ينتزعها من الإنسان، وأن حب الوطن واحد من تلك الأشياء التي تسكن أعماق القلب، فلا يطالها ضعف الجسد ولا يطفئها الألم.
الإعلاميون وأهل الريشة.. صداقة تتجاوز الخبر
ولعل في هذه الحكاية جانبًا آخر يستحق أن يُروى؛ ذلك الخيط الجميل الذي ظل يجمع الإعلاميين بالفنانين وأهل الريشة في جازان.
فالعلاقة بين الإعلام والفن ليست علاقة خبر بصورة، أو معرض بتغطية صحفية؛ إنها في كثير من الأحيان صداقة إنسانية تمتد عبر السنوات، يتعرف فيها الإعلامي على الفنان بعيدًا عن المنصة، ويعرف الفنان في الإعلامي صديقًا يحمل ذاكرته ويحفظ تفاصيل تجربته.
لقد كان الإعلاميون في جازان قريبين من الحركة الفنية، يوثقون معارضها، ويتابعون روادها، ويفتحون صفحاتهم للمواهب الجديدة، بينما وجد الفنانون في الصحافة نافذة تصل أعمالهم إلى الناس.
وفي مثل هذه اللحظات الإنسانية، تظهر قيمة تلك الصداقة أكثر؛ فالإعلامي لا يعود مجرد ناقل للخبر، وإنما يصبح صوتًا لصديقه الفنان، يحمل عنه رسالة، ويدعو له، ويقول للناس: هذا فنان أحببناه، فادعوا له.
وهكذا جاء صوت الإعلامي يحيى دوم مدخلي وهو ينقل حكاية أبي سامي، لا بوصفه خبرًا عابرًا، وإنما بوصفها شهادة محبة لصديق وزميل وفنان ترك أثره في ذاكرة المكان.
رمضان بكرين.. لوحة لم تكتمل
يا أبا سامي..
قد تتعب اليد، وقد تضيق مساحة الجسد بالألم، وقد تتوقف الفرشاة لحظةً أمام قسوة المرض، لكن الفنان الحقيقي لا تنتهي لوحته حين يضع الفرشاة جانبًا؛ لأن لوحته الكبرى تكون قد استقرت في قلوب الناس.
لقد رسمت البحر، فرسمت معه ذاكرة جازان.
ورسمت الطبيعة، فحفظت شيئًا من جمالها.
ورسمت الوطن، فقلت ما عجزت عنه الكلمات.
واليوم، وأنت ترقد على السرير الأبيض، ربما تكون تلك اللوحة التي توقفت قبل اكتمالها أجمل لوحاتك؛ لأنها لم تُرسم باليد وحدها، وإنما رسمها القلب.
نسأل الله أن يكتب لك الشفاء، وأن يعيد إليك عافيتك، وأن تعود إلى مرسمك وفرشاتك، وإلى زملائك ومحبيك وفناني جازان الذين عرفوك فنانًا وصديقًا وراعيًا للحركة التشكيلية.
فاللوحة تنتظرك، والفرشاة تعرف يدك، وجازان ما زالت تنتظر منك لونًا جديدًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يحدث بعد هذه اللوحة الناقصة، أن يعود أبو سامي سالمًا معافى، فيضع آخر لون بيده، ثم يبتسم؛ وكأنه يقول للمرض: أخذتَ مني بعض القوة.. لكنك لم تاخذ مني الوطن








