
مؤتمر الحج: رعاية ملكية ضمانة للتطوّر
في كل عام، تتجدّد رسالة المملكة الخالدة، وتمتد رعاية قادتها لتقديم أسمى درجات العناية بضيوف الرحمن، وتيسير تجربة الحجاج والزوار لأطهر بقاع الأرض، من أجل أداء أعظم الفروض.
وفي هذا العام، وضمن هذا السياق، تحلّ الرعاية الملكية الكريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله- للنسخة السادسة من “مؤتمر ومعرض الحج”؛ لتؤكد مجددًا أن خدمة الحجاج والمعتمرين ليست مجرد واجب تشغيلي، بل هي أولوية قصوى ونهج سعودي راسخ يتوارثه أبناء المؤسس وأحفاده، ويقوده بعزيمة ورؤية ثاقبة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-.
المؤتمر المقرر انعقاده في مدينة جدة خلال الفترة من 8 إلى 11 نوفمبر 2026م (28 جمادى الأولى إلى 1 جمادى الآخرة 1448هـ)، بتنظيم من وزارة الحج والعمرة وبالتعاون مع برنامج خدمة ضيوف الرحمن (أحد البرامج المحورية لرؤية السعودية 2030)، لا يمثِّل مجرد حدث سنوي عادي، بل يستند إلى فلسفة سعودية خفية وعميقة؛ هي البناء على النجاح لتحقيق نجاح أكبر وأكثر عمقًا.
لم تكن النجاحات الباهرة التي شهدتها مواسم الحج المتتالية، ونالت إشادات واسعة من دول العالم ومنظماته الدولية، وليدة المصادفة، بل هي ثمرة تخطيط استراتيجي واستعداد مبكر يبدأ فور انتهاء كل موسم. وتأتي النسخة السادسة من مؤتمر ومعرض الحج هذا العام، لتشكِّل محطة مركزية مبكرة لمواصلة هذا النجاح، عبر مناقشة الجوانب التشغيلية والتنظيمية، ورفع الجاهزية لموسم الحج القادم 1448هـ.
إن تجمُّع أكثر من 520 جهة ممثلة للقطاعات الحكومية والخاصة وغير الربحية، إلى جانب صنَّاع القرار والمختصين من المملكة ومختلف دول العالم، يعكس مفهوم الشراكة الدولية الشاملة التي تقودها المملكة لخدمة ضيوف الرحمن، بما يتسق بصورة مباشرة مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، الذي يضع تحسين تجربة الحاج والمعتمر وتيسير أداء المناسك في قلب عملية التطوير.
ومنذ أن وضعت قيادة المملكة خدمة الحجاج في مقدمة مسؤولياتها، شهدت منظومة الحج تطورًا متواصلًا ومتسارعًا، شمل مختلف تفاصيل رحلة الحاج؛ من لحظة التخطيط والاستعداد وحتى الوصول والتنقل والإقامة وأداء المناسك والمغادرة. ومع كل موسم حج، تتسع دائرة التطوير، وتتزايد الاستثمارات في البنية التحتية والخدمات، وتتطور أدوات إدارة الحشود، وتوظف التقنيات الحديثة لإيجاد حلول أكثر كفاءة ومرونة، بما يعزز جودة التجربة ويرفع مستويات الراحة والأمن والسلامة.
ولا شك أن مؤتمر ومعرض الحج يقدم منصة عالمية لمناقشة كافة التفاصيل؛ ابتداءً من التفاصيل التشغيلية الصغرى وصولاً إلى الاستراتيجيات الكبرى، وذلك عبر ثلاثة مسارات متكاملة تعبِّر عن شمولية التطوير، وتشمل البنية التحتية والخدمات التشغيلية، ومنها (النقل والخدمات اللوجستية، والبنى التحتية وإدارة المرافق، والإسكان والضيافة، والإعاشة والتغذية)، وكذلك مسار التمكين والتكامل؛ ويشمل (الأمن والسلامة، والرعاية الصحية، والإعلام والتواصل، والتقنية والابتكار)، ومسار التنمية المستدامة؛ ويشمل (القطاع الثالث، وريادة الأعمال، والتدريب والتأهيل والتطوير، وإثراء تجربة ضيوف الرحمن).
وما تحقق في مواسم الحج الماضية يمثِّل قاعدة صلبة تنطلق منها المملكة نحو مراحل جديدة من التطوير. فقد أثبتت منظومة الحج قدرتها على التعامل مع واحدة من أكثر عمليات إدارة الحشود تعقيدًا على مستوى العالم، من خلال التكامل بين الجهات المختلفة، وتطوير وسائل النقل والخدمات، وتعزيز إجراءات الأمن والسلامة، وتوسيع توظيف الحلول الرقمية والتقنيات الحديثة، وهي المسارات الثلاثة التي يناقشها مؤتمر الحج هذا العام.
وتتجلّى سمات الرعاية الملكية الكريمة لمؤتمر ومعرض الحج، من خلال تكامل كافة الجهات في المملكة، عبر التخطيط المسبق والتنسيق بين مختلف الأطراف المعنية، لتغطية مختلف جوانب رحلة ضيف الرحمن، من حيث استكمال التعاقدات، ومراجعة الجوانب التشغيلية والتنظيمية، واستعراض المبادرات والحلول، وبناء الشراكات التي تسهم في رفع الجاهزية قبل وصول الحجيج، كما تتحول الخبرات المتراكمة والملاحظات والدروس المستفادة إلى مدخلات لتصميم موسم أكثر تطويرًا وتنظيمًا وكفاءة، للوصول بخدمات الحج إلى مستويات متقدمة من الجودة والتميز.
ومن هنا تكتسب الرعاية الملكية الكريمة للمؤتمر دلالتها الأوسع؛ فهي تؤكد استمرار الدعم لأحد أهم الملفات التي ارتبطت بتاريخ المملكة وهويتها ورسالتها، وتمنح مسيرة تطوير الحج دفعة جديدة نحو مستقبل أكثر يسرًا وأكثر تطورًا



