
حين يتحدث الصمت
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: غرم الله الغامدي-
حين يتحدث الصمت،يصمت الضجيج إجلالًا،ويجلس القلب في محراب التأمل،كأنّ في السكون لغةً لا تُجيدها إلا الأرواح التي أنهكها الكلام.
ليس الصمت غيابًا للصوت بل حضورٌ لما عجزت الحروف عن حمله، ففي لحظةٍ واحدة قد يقول الصمت ما تعجز عنه آلاف الخطب،وقد يختصر نظرةً واحدةً قصةً كاملةً من الوجع والحنين والخذلان.
وحين يكتب القلم في حضرة الصمت،لا يكتب بالحبر وحده بل يكتب من نبض القلب،ومن ذاكرةٍ خبّأت بين ثناياها ما لم يُقَل. كلُّ حرفٍ يصبح اعترافًا مؤجلًا، وكلُّ سطرٍ نافذةً تطلّ منها روحٌ أتعبها التظاهر بالقوة.
ما أكثر الذين يتحدثون لأنهم يخافون مواجهة ذواتهم،وما أقلّ الذين يصمتون لأنهم أدركوا أن بعض الحقائق أعمق من أن تُروى.فالصمت أحيانًا ليس عجزًا عن الإجابة بل حكمةٌ تعرف أن بعض الأسئلة لا يليق بها إلا التأمل.
وفي الليل،حين تهدأ المدن وتنام الخطى،يبقى للقلب حديثه الخفي. هناك حيث لا يسمع الإنسان إلا صدى نفسه، تتساقط الأقنعة،وتظهر الحقيقة عاريةً من زخارف الكلام. عندها ندرك أن الصمت لم يكن فراغًا قط:كان وطنًا صغيرًا تختبئ فيه أشياء كثيرة:ذكرى لم تمت،وحنين لم يهدأ، ودمعةٌ قاومت السقوط،وكلمةٌ بقيت عالقةً على أطراف الشفاه.
ولعل أجمل ما في الصمت أنه لا يكذب.
فالكلمات قد تتجمّل،وقد تُخفي،وقد تُجيد المراوغة،أما الصمت فيفضح ما حاولنا ستره.يكشف الشوق في العيون، والحزن في الملامح،والانكسار خلف ابتسامةٍ تبدو مكتملة.
وحين ينتهي القلم من الكتابة،يعود الصمت من جديد كأنّه يقول لنا: ما كتبتَه ليس إلا بعض ما أشعر به.
وهكذا،يظل الصمت أبلغ من الكلام،ويظل القلم شاهدًا على أسرارٍ لا تجد طريقها إلى الصوت.فبعض المشاعر خُلقت لتُعاش،وبعض الحكايات خُلقت لتبقى بين القلب والورق، وبعض الصمت قصيدةٌ لا تحتاج إلى صوت كي تُسمَع.



