
ما تخفيه الوجوه تكشفه المواقف
صحيفة أخباركم الإعلامية – بقلم الكاتب: حمد دقدقي
في مسرح الحياة، يمضي الناس أمامنا كما يمضي الممثلون على خشبةٍ واسعة؛ يلبسون من الأقنعة ما يوافق أدوارهم، ويُحسن بعضهم اختيار الكلمات حتى يخيل إليك أن وراءها قلبًا لا يعرف إلا الوفاء، فإذا الأيام كشفت المستور، وسقط القناع، وبقيت الحقيقة عارية لا تسترها بلاغة الكلام ولا حلاوة اللسان.
فليس كل من ابتسم لك محبًّا، ولا كل من أكثر من السؤال عنك حريصًا عليك، ولا كل يدٍ تمتد إليك تحمل لك الخير؛ فقد يكون بين الناس من يقترب منك لأن في قربك مصلحة، فإذا انقضت حاجته انصرف عنك كما ينصرف العابر عن طريقٍ انتهى به إلى غايته.
وكم من كلماتٍ جميلة خدعت القلوب، وكم من وعودٍ ألبست أصحابها ثياب الوفاء، ثم جاءت المواقف لتكشف أن وراء تلك الكلمات قلبًا آخر، لا يعرف من الصداقة إلا اسمها، ولا من الوفاء إلا صوته.
إن الإنسان لا يُعرف في أوقات الرخاء، فالجميع قادرون على الابتسام حين تبتسم لهم الحياة، ولكن معدن الإنسان يظهر حين تضيق الدائرة، وتثقل الأيام، ويحتاج المرء إلى من يقف بجانبه لا إلى من يكتفي بالسؤال عنه من بعيد.
هناك، عند منعطف الألم،
تعرف من أحبك حقًا، ومن أحب صورتك، ومن كان معك لأنك أنت، ومن كان معك لأن شيئًا منك كان يحقق له غاية.
فلا تجعل للكلمات وحدها سلطانًا على قلبك؛ دع الأفعال تتحدث، ودع المواقف تقول كلمتها الأخيرة. فالكلمة قد تُزيَّن، والوعد قد يُنسى، أما الموقف الصادق فإنه يبقى شاهدًا لا يحتاج إلى مترجم.
وقد علّمتني الحياة أن بعض الناس لا يُكتشفون إلا مع الأيام، وأن الزمن ليس عدوًّا للحقيقة، بل صديقها الأمين؛ فهو يمسح عن الوجوه مساحيقها، ويكشف عن القلوب ما أخفته طويلًا.
فلا تحزن إذا سقط قناع أحدهم أمامك، بل احمد الله أن الحقيقة ظهرت قبل أن تمنحه من قلبك ما لا يستحق.
واجعل مواقف الناس ميزانك، لا أصواتهم؛ فمن أحبك فليكن حبّه فعلًا، ومن أراد قربك فليثبت صدقه حين تحتاج إليه، ومن كان وفيًّا فستجده في الموقف الذي يتوارى فيه الآخرون.
وفي نهاية الطريق، لن تبقى في ذاكرتك كثرة الكلمات، بل ستبقى تلك اليد التي امتدت إليك حين عجزت، وذلك القلب الذي لم يتغير حين تغيرت الظروف، وذلك الإنسان الذي ظل قريبًا منك حين لم يعد لقربه منفعة.
فالأقنعة كثيرة، والكلمات أكثر، ولكن المواقف وحدها لا تعرف الكذب



