البيئهمقالات

“حين تعود النصيحة بلاءً” …. بقلم الكاتبة الجوهرة الحمد

ليست النصيحة فعلًا بريئًا كما نتصوّر.
فالكلمة التي تُقال قبل أن تُجرَّب، لا تبقى رأيًا عابرًا، بل قد تعود يومًا إلى صاحبها بوصفها تجربة كاملة. ولهذا كانت العرب حذِرة من النصيحة المباشرة؛ لا جهلًا بالحكمة، بل وعيًا بثمن القول حين يسبق العيش.

العرب أدركوا أن الإنسان، وهو خارج البلاء، يرى الحلول سهلة، ويظنّ أنه لو كان مكان المبتلى لأحسن التصرّف، ولتجاوز الأمر بأقل الخسائر. من الخارج يبدو الصبر قرارًا، والتجاوز خيارًا، والعفو فضيلة ممكنة. لكن ما إن يُنزع البلاء من صاحبه ويُوضَع الناصح نفسه في قلبه، حتى تتغيّر الصورة تمامًا.

لهذا لم تكن الحكمة عند العرب وصايا ولا أوامر.
لم يقولوا: افعل ولا تفعل.
بل قالوا جُمَلًا حكميّة وأمثالًا، يلقونها ثم يمضون، ليلتقطها من وعى معناها.
وكانوا بذلك يفتدون أنفسهم بالكلام الموارب؛ لا ينطقون نصيحة مباشرة قد تعود عليهم، بل يضعون المعنى في صيغة مثل، حتى يبقى القول حكمة لا التزامًا، ورأيًا لا عهدًا.

بهذا الأسلوب، كَثُرت الأمثال في زمنهم، وقلّت البلاءات.
ليس لأن الناس كانوا أنقى، بل لأن التحذير كان يسبق السقوط، ولأن الفهم كان يُمنح دون فرض. أما اليوم، فقد انعكست المعادلة: كثرت النصائح، وقلّ الفهم. صار الكلام مباشرًا، ثقيلًا، محمّلًا بالأوامر، وكأن القائل يبرئ ذمّته لا يقدّم حكمة.

ومع هذا الإفراط في النصيحة، كثرت البلاءات.
لا لأن الناس أسوأ، بل لأن الإنسان يعتقد—غالبًا—أنه لو كان مكان المصاب لقدر على الاحتمال وحلّ الأمر بسهولة. ينسى أن الألم من الداخل شيء آخر، وأن التجربة لا تشبه التخمين.

التاريخ العربي يقدّم مثالًا صارخًا على ذلك.
فقد اشتهر زير سالم بمراثيه الحادّة، وبرفضه الصلح السهل، لأن الجرح عنده لم يكن فكرة تُناقَش، بل دمًا يُعاش. وبعد مقتل كليب، قال ابن عباد مقولته المشهورة:
«الدِّية عند الكرام الاعتذار»
وهي كلمة حكيمة قيلت من مقام العقل والهيبة، لا من مقام الفقد.

لكن حين دار الزمان، وقُتل ابن ابن عباد، جبير، على يد الزير سالم، تغيّر الموقف، وسقطت المسافة بين القول والتجربة. عندها نكث ابن عباد عهده، وقال كلمته الشهيرة:
«لأقتلنَّ به عدد الحصى، والنجوم، والرمال».

هنا لا نسقط الحكمة الأولى، ولا نُدين الثانية، بل نفهم المعنى الأعمق:
أن النصيحة التي لم تُجرَّب، قد تصمد كلامًا، لكنها لا تصمد امتحانًا.
وأن الإنسان لا يعرف حدود العفو، ولا ثقل الصبر، ولا كلفة الاعتذار، إلا حين يُوضَع في موضع الفقد نفسه.

لهذا كانت العرب أذكى من أن تُكثر النصيحة، وأعمق من أن تُطلق الأحكام.
ففضّلوا المثل على الوصية، والجملة الحكميّة على الأمر المباشر.
لأن المثل لا يطالب قائله بالالتزام، ولا يعود يومًا ليضعه في موضع الاختبار.

ربما نحتاج اليوم إلى أمثال أكثر، ونصائح أقل.
فالجملة تُفهم،أما النصيحة غير المُجرَّبة…
فغالبًا تعود بلاءً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى