
رحلة التميز تبدأ من الداخل وتنتهي عند أثر المجتمع
أجرى الحوار: الإعلامي هاني أحمد الجهني
الضيفــة: الدكتورة داليا بنت عدنان يغمور – مستشار بالتميز المؤسسي
هناك أسماء حين تُذكر لا ترتبط فقط بالإنجازات، بل بالأثر الذي تتركه في حياة الناس. من هذه الأسماء الدكتورة داليا بنت عدنان يغمور، دكتورة في إدارة الأعمال، عُرفت بشغفها في صناعة التميز المؤسسي وتحويله من نظريات جامدة إلى واقع ملموس. نالت جوائز مرموقة وأسهمت في مبادرات لامست المجتمع، لكن الأجمل من ذلك أن تجربتها تحمل دروسًا لكل من يقرأ.
في هذا الحوار، نفتح معها أبواب التجربة، ونحاول أن نستخلص منها ما يمكن أن ينير الطريق للآخرين.
⸻
دكتورة، حصلتِ على جوائز التميز المؤسسي أكثر من مرة.. ماذا تعني لك هذه الجوائز على المستوى الشخصي، وكيف انعكست على تجربتك؟
الجوائز بالنسبة لي ليست مجرد تكريم، بل شهادة ثقة ورسالة مسؤولية. هي انعكاس لرحلة عمل جماعي وجهد متواصل بدأ منذ سنوات. على المستوى الشخصي، علمتني أن التميز ليس محطة وصول، بل رحلة مستمرة تتجدد مع كل إنجاز، وتضاعف الإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع.
منذ عام 2019 وأنتِ تقدمين مبادرات نوعية.. ما التجربة التي تعتبرينها نقطة تحول غيرت نظرتك للعمل؟
أعتبر تبني منهجية التفكير التصميمي نقطة تحول محورية. فهي منحتني منظورًا مختلفًا، إذ جعلتني أنظر إلى العمل ليس كمهام إدارية فقط، بل كفرصة لإبداع حلول إنسانية تنبع من احتياجات الناس وتلبي تطلعاتهم. هذه التجربة جعلتني أرى قيمة العمل في أثره المباشر على المستفيد.
القارئ يهمه يعرف الجانب الإنساني خلف الإنجاز.. ما أصعب تحدٍ واجهك على الصعيد الشخصي، وكيف تجاوزته؟
أصعب تحدٍ واجهني كان مرض والدتي – أطال الله في عمرها – إذ تطلب الأمر مني توازنًا دقيقًا بين مسؤولياتي العملية وواجبي الأسري. كانت تلك المرحلة مليئة بالضغوط النفسية والعاطفية، لكنها منحتني دروسًا عظيمة في الصبر والرحمة، وأكدت لي أن القوة الحقيقية ليست في الإنجاز المهني فقط، بل في القدرة على العطاء الإنساني في أصعب اللحظات. تجاوزت هذا التحدي بالدعاء واليقين، وبأن أجعل من كل نجاح أحققه رسالة وفاء وسند لوالدتي الغالية.
كثير من الناس يتحدثون عن التميز كمصطلح إداري، بينما هو في الحقيقة يلامس حياة الناس. كيف يمكن جعله قيمة مجتمعية يعيشها الفرد؟
التميز ليس وثائق أو تقارير، بل سلوك يومي يبدأ من أبسط التفاصيل: إتقان العمل، احترام المواعيد، الإحسان في التعامل مع الآخرين. عندما نمارس التميز كقيمة شخصية، يتحول تلقائيًا إلى ثقافة مجتمعية يتبناها الجميع.
بصفتك أكاديمية في إدارة الأعمال، كيف ساعدك الجانب العلمي على اتخاذ قرارات عملية في تطوير الأداء؟
الجانب الأكاديمي منحني أدوات منهجية لفهم المشكلات وتحليلها بعمق، مثل استخدام مؤشرات الأداء وبطاقات التوازن. هذه المعرفة النظرية حين امتزجت بالتطبيق العملي ساعدتني على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا وموضوعية، مما جعل التجارب أكثر نجاحًا واستدامة.
المرأة السعودية اليوم أمام فرص استثنائية.. ما النصيحة التي تقدمينها لكل شابة تحمل حلمًا وتبحث عن طريقها؟
أن تتحلى بالشجاعة وتؤمن أن لكل حلم طريق، حتى وإن كان مليئًا بالتحديات. النصيحة أن تبدأ من ذاتها، تستثمر في علمها ومهاراتها، وتثق أن كل جهد مبذول سيصنع فارقًا. الوطن اليوم يفتح الأبواب، ويبقى الدور عليها أن تعبرها بثقة.
هل هناك موقف أو تجربة معينة بقيت في ذاكرتك كدليل أن كل جهد تبذلينه يعود بالنفع على الناس؟
نعم، حين رأيت ابتسامة يتيم شارك في إحدى المبادرات الاجتماعية التي عملنا عليها، وأخبرني أن التجربة غيرت نظرته للحياة. في تلك اللحظة أدركت أن العمل المؤسسي حين يكون بروح إنسانية يترك أثرًا لا يُمحى.
هل يمكن أن ينفصل التميز عن الابتكار، أم أن العلاقة بينهما حتمية؟
أرى أن العلاقة بينهما تكاملية وحتمية. لا يوجد تميز بلا ابتكار، فالتميز يعني أن تقدم قيمة مضافة، وهذا لا يتحقق إلا بفكرة جديدة أو أسلوب مختلف في التنفيذ. الابتكار هو روح التميز.
برأيك، كيف يمكن غرس ثقافة التميز في المجتمع كقيمة يمارسها الأفراد في حياتهم اليومية؟
يبدأ ذلك من التربية والتعليم، عبر غرس قيم الإتقان والالتزام منذ الصغر. ثم بدور القدوات في المجتمع، حين يرى الفرد شخصًا يطبق التميز في عمله وحياته، يتشجع على تبنيه. كذلك من خلال المبادرات التوعوية التي تجعل التميز قصة حياة وليس شعارًا.
في زحمة الإنجازات، ما اللحظة التي شعرتِ أنها الأغلى في مسيرتك؟
كانت لحظة تكريمي كأفضل موظفة على مستوى المنطقة، فهي لم تكن تقديرًا شخصيًا فحسب، بل شعرت أنها تكريم لكل فريق عمل معي، ولكل امرأة سعودية تثبت أن الطموح لا يعرف حدودًا.
لو طُلب منك أن تلخصي فلسفتك في جملة واحدة، ما العبارة التي تختصر تجربتك ورؤيتك للحياة والعمل؟
“أؤمن أن التميز رسالة حياة، وأن كل جهد نضعه بإخلاص يعود أثره مضاعفًا على الناس والوطن.”•
ما الكتاب أو التجربة الفكرية التي غيّرت نظرتك للحياة؟
من أكثر التجارب الفكرية التي غيرت نظرتي للحياة دراستي في مجال إدارة الأعمال، خصوصًا في جانب إدارة التغيير والتميز المؤسسي. فقد علمتني أن النجاح لا يقوم على الحظ أو الظروف، بل على التخطيط والعمل المنهجي والمثابرة. كما عززت لدي قناعة أن التغيير يبدأ من الداخل قبل أن ينعكس على الخارج.
• إذا كان لك شعار شخصي أو مقولة تعبر عنك، ما هي؟
شعاري الدائم: “العمل بإخلاص يترك أثرًا أبقى من أي منصب أو لقب.”
• كيف توازنين بين العمل واللحظات الخاصة بك بعيدًا عن الضغوط؟
أؤمن أن التوازن لا يتحقق بالصدفة، بل بالوعي وإدارة الأولويات. أضع حدودًا واضحة بين وقت العمل ووقتي الشخصي، وأعتبر أن لحظاتي الخاصة مع أسرتي أو مع نفسي لا تقل أهمية عن إنجازاتي المهنية. أستمد منها الصفاء الذهني والقوة لأعود للعمل بطاقة أكبر. بالنسبة لي، التوازن ليس رفاهية، بل شرط أساسي للاستمرار والعطاء بجودة عالية.
• من الشخصية التي تُلهمك في مسيرتك، محليًا أو عالميًا؟
محليًا، تلهمني رؤية القيادة السعودية في تمكين الإنسان واستثمار طاقاته، فهي تفتح أمامنا أبوابًا لم تكن متاحة من قبل. أما عالميًا، فألهمتني شخصيات قيادية أثبتت أن التغيير يبدأ من فكرة صغيرة تتحول إلى مشروع مؤثر يخدم الناس.
• ما الخطأ الأكثر شيوعًا الذي يقع فيه الناس وهم يحاولون الوصول للتميز؟
أعتقد أن الخطأ الأكبر هو اعتبار التميز هدفًا نهائيًا، بينما هو في الحقيقة رحلة مستمرة. كثيرون يركزون على النتيجة ويغفلون عن أن التميز يقوم على تراكم الجهود اليومية البسيطة التي تصنع فرقًا على المدى البعيد.
• لو طُلب منك أن تختصري كلمة “التميز” في ثلاث كلمات فقط، ماذا تقولين؟
إخلاص – إتقان – أثر.
⸻
اللقاء مع د. داليا لم يكن مجرد حوار عابر، بل رحلة قصيرة في فكر وتجربة إنسانية أثبتت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالجوائز، بل بالأثر الذي يتركه في الناس. من حديثها ندرك أن التميز يبدأ من الداخل، من القيم البسيطة التي نمارسها يوميًا، ثم يمتد ليصنع مؤسسة أقوى ومجتمعًا أفضل.
وربما أجمل ما يخرج به القارئ من هذه التجربة هو أن كل واحد فينا قادر أن يصنع فرقًا، إذا آمن أن التميز ليس امتيازًا للنخبة، بل مسؤولية مشتركة تُبنى بخطوات صادقة وإصرار لا يتوقف.



