تقنية

«الأمن السيبراني هو حماية الإنسان قبل حماية التقنية»

لقاء مع المهندس محمد البدرشيني

أجرى الحوار: الإعلامي هاني الجهني

في عالم تتسارع فيه التقنيات وتتزايد فيه التهديدات الرقمية، بات الأمن السيبراني أحد أهم عناصر الأمن الوطني وخط الدفاع الأول لحماية الأفراد والمؤسسات. في هذا السياق، أجرى الإعلامي هاني الجهني حوارًا مع المهندس محمد البدرشيني المتخصص في الأمن السيبراني و«المثقف التقني»، للحديث عن العلاقة بين التقنية والثقافة، والثغرة الأخطر في المنظومة الرقمية، ورسائل مباشرة إلى الشباب في زمن الذكاء الاصطناعي التوليدي.

■ كيف تعرّف نفسك للقارئ؟

أعرّف نفسي أولًا بصفتي مهندسًا متخصصًا في الأمن السيبراني، فهذا هو المجال الذي أعمل فيه بشكل احترافي وأساسي. وفي الوقت نفسه أؤمن أن الأمن السيبراني ليس مجرد تقنية أو أنظمة حماية، بل ثقافة ووعي مجتمعي يجب أن نغرسه في الناس. لذلك يمكن القول إنني مزيج بين المهندس والمثقف التقني؛ أعمل على الجانب المهني داخل المؤسسات، وأساهم عبر المقالات واللقاءات والمحاضرات في نشر الوعي الرقمي بين أفراد المجتمع.

■ متى شعرت أن الأمن السيبراني رسالة لا مجرد وظيفة؟

حين رأيت كيف يمكن أن يفقد شخص كل مدخراته أو تُستغل بياناته الشخصية بسبب هجوم إلكتروني أو رابط وهمي. هناك أدركت أن الأمن السيبراني رسالة ومسؤولية، وأن عليّ أن أكون صوتًا للتوعية وحارسًا للوعي.

■ لو سألك شخص عادي: ما الأمن السيبراني باختصار؟

هو مثل باب بيتك وقفل سيارتك لكن للبيانات والمعلومات. باختصار: هو حماية الإنسان أولًا ثم التقنية، لأنه يضمن أن نعيش العالم الرقمي بأمان واطمئنان.

■ التقنية قرّبت المسافات وخلقت عزلة داخل البيوت. كيف ترى هذه المفارقة؟

هذه من أبرز مفارقات عصرنا. المشكلة ليست في التقنية، بل في طريقة استخدامنا لها: يمكن أن تكون جسرًا للتواصليثري علاقاتنا، أو تتحول إلى جدار صامت يعزلنا إذا استخدمت بلا وعي.

■ ما الذي يجعل الأمن السيبراني ثقافة يومية لا مجرد برامج؟

قبل أن يكون برامج وأنظمة، الأمن السيبراني هو سلوك يومي. قد تمتلك أقوى أدوات الحماية، لكن إذا ضغطت على رابط مجهول أو شاركت كلمة مرورك فأنت أضعفت كل شيء.

الوعي الرقمي عادة يومية مثل ربط حزام الأمان: لا نفكر فيه كثيرًا لكنه يحفظ حياتنا باستمرار.

■ ما أبرز التحديات التي تواجه الفرد السعودي في حماية بياناته؟

1. الهندسة الاجتماعية والاحتيال: رسائل ومكالمات وإعلانات وهمية تستدرج الضحية.

2. ضعف الوعي الرقمي: التعامل بعفوية مع الروابط والمعلومات.

3. تعدد المنصات: صعوبة إدارة كلمات المرور وحسابات متعددة.

الخلاصة: الخطر الأكبر ليس دائمًا في التقنية، بل في سلوك المستخدم نفسه.

■ هناك من يرى أن التهديدات السيبرانية مبالغ فيها. ما تعليقك؟

التهديدات ليست مبالغًا فيها إطلاقًا، بل واقع يومي. تجاهلها يشبه من يقود سيارته بلا حزام أمان لأنه «لم يتعرض لحادث من قبل».

■ كيف أصبح الأمن السيبراني عنصرًا أساسيًا في الأمن الوطني؟

الأمن لم يعد يقتصر على الحدود، بل يشمل الفضاء الرقمي حيث تمر اقتصادات الدول وبياناتها الحساسة. بات الأمن السيبراني ركيزة استراتيجية مرتبطة مباشرة بحماية مقدرات الوطن، وأصبح خط الدفاع الأول في العصر الرقمي.

■ هل الإنسان هو الثغرة الأخطر قبل النظام؟ ولماذا؟

نعم. الإنسان هو الثغرة الأخطر. كثير من الاختراقات لا تتم عبر كسر الشيفرات، بل عبر رسالة مزيفة أو رابط خادع. لذلك يبدأ الأمن السيبراني من وعي الفرد وسلوكه.

■ ما التطور التقني الذي فاجأك أكثر من غيره مؤخرًا؟

القفزة السريعة لـ الذكاء الاصطناعي التوليدي؛ انتقل بسرعة من أداة بحثية محدودة إلى منظومة قادرة على كتابة نصوص وتوليد صور ومحاكاة أصوات البشر. فتح آفاقًا هائلة، وجلب مخاطر مثل التزييف العميق (Deepfake) والاحتيال المتقن.

■ «مثقف تقني»: كيف ترى انعكاس هذه التطورات على الوعي المجتمعي؟

التقنية تركض بسرعة، ووعي المجتمع أحيانًا يمشي بخطى أبطأ؛ هنا تكمن الفجوة الأخطر التي يجب سدّها بالتوعية والتعليم.

■ ما العلاقة بين الثقافة والفكر من جهة، والتقنية من جهة أخرى؟

هي علاقة تفاعل وتكامل لا صراع. التقنية بلا ثقافة قد تتحول إلى أداة استهلاك، والثقافة بلا تقنية قد تبقى أسيرة الماضيالفكر يوجه التقنية، والتقنية تعزز حضور الفكر.

■ هل التقنية تهدد الهوية الثقافية؟

التقنية أداة حيادية. التهديد الحقيقي يأتي من الاستخدام غير الواعي. الهوية القوية لا تذوب؛ بل تستخدم التقنية لتعزيز حضورها ونشر قيمها. المطلوب أن نكون منتجين للمحتوى لا مجرد مستهلكين.

■ بصراحة: هل نحن مستهلكون للتقنية أكثر من كوننا صانعين لها؟

بصراحة نعم. نستخدم أكثر مما نُنتج. لكن الصورة ليست سلبية بالكامل؛ هناك استثمار متزايد في الابتكار، وشباب قادر على صناعة المستقبل لا استهلاكه فقط.

■ كيف نتحول من «مستخدمين» إلى «منتجين للتقنية»؟

تعليم نوعي: برمجة، ذكاء اصطناعي، أمن سيبراني من مقاعد الدراسة.

بحث وابتكار: دعم المراكز وريادة الأعمال وتحويل الأفكار إلى منتجات.

ثقة وتمكين: توفير بيئة وموارد للشباب لصناعة الحلول.

الخلاصة: المستقبل يُصنع ولا يُستهلك.

■ هل الجامعات تهيئ جيلًا مثقفًا تقنيًا بالفعل؟

تبذل الجامعات جهودًا واضحة في تخريج متخصصين، لكن بعض المخرجات تفتقر إلى رؤية شمولية تربط التقنية بالثقافة والهوية. نحتاج إلى بيئات تصنع مثقفًا تقنيًا لا مجرد مبرمجين.

■ الذكاء الاصطناعي: فرصة ذهبية أم تهديد للأمن السيبراني؟

هو سلاح ذو حدين: فرصة لتطوير أدوات الدفاع ورصد التهديدات، وأداة بيد المهاجمين لصنع هجمات أدق وتزييف متقنالخلاصة: ليس تهديدًا ولا فرصة بحد ذاته، بل انعكاس لطريقة تعاملنا معه.

■ هل هناك تناقض بين التوسع في الذكاء الاصطناعي وحماية الخصوصية؟

يوجد توتر: كلما توسّعنا زادت الحاجة إلى البيانات، وهذا يضغط على الخصوصية. الحل في أطر تنظيمية وأخلاقية واضحةتربط الابتكار بالمسؤولية.

■ هل يفقد المثقف الذي لا يفهم التقنية مكانته كمؤثر؟

نعم. المثقف الذي يتجاهل التقنية يفقد أدوات التأثير. اليوم منصات الوعي الأساسية رقمية، والمثقف الحقيقي هو من يجمع بين الفكر العميق والوعي الرقمي.

■ كثير من الشباب يدخل التقنية بحثًا عن وظيفة. ما نصيحتك لتحويلها إلى رسالة؟

لا بأس أن تبدأ بالبحث عن وظيفة، لكن اجعل التقنية رسالة لا مجرد مهنة. الوظيفة تنتهي بانتهاء الدوام، أما الرسالة فتبقى وتدفعك إلى التعلم المستمر وخدمة المجتمع.

■ موقف شخصي تعرضت فيه لمحاولة اختراق وكيف تعاملت معه

وصلتني رسالة بريدية تحمل شعار جهة رسمية وتطلب تحديث البيانات. بدت مقنعة، لكن التحقق كشف رابطًا مزيفًا ومرسلًا مقلدًا. الدرس: المهاجم يراهن على استعجالك وثقتك. الإبلاغ والتوعية هما الرد الأمثل.

■ بعيدًا عن التقنية: ماذا تقرأ؟ وما كتاب ألهمك؟

أقرأ في الفكر والثقافة والتاريخ لأنها تمنح رؤية أوسع. أكثر كتاب ألهمني: «البوصلة القرآنية» للدكتور أحمد خيري العمري؛ ربط بين الإيمان والفكر والعمل، ورسّخ لدي أن الهوية والوعي هما البوصلة وسط زحمة الحياة الحديثة.

■ لو لم تكن مهندسًا، أي مجال تختار؟

كنت سأختار العمل في جهاز أمن الدولة. بالنسبة لي الهدف واحد: حماية الوطن؛ أحدهما يحمي الحدود المادية والآخر يحمي الحدود الرقمية.

■ في كلمة واحدة: ما تعريفك للأمن السيبراني؟

«حماية».

■ كلمة أخيرة للشباب

«لا تجعل التقنية غايتك.. اجعلها وسيلتك لتصنع أثرك».

اجعلوا من شغفكم رسالة، ومن معرفتكم قوة، ومن مواهبكم عطاءً للوطن.

وفي الختام، نتوجه بالشكر إلى المهندس محمد البدرشيني على هذا اللقاء الثري.

يكشف هذا الحوار أن الأمن السيبراني أكثر من تخصص تقني؛ إنه ثقافة ومسؤولية وطنية تبدأ من وعي الفرد وتنتهي بأمن المجتمع.

فالتقنية بيد الإنسان إمّا سلاح بناء أو أداة هدم، والوعي هو الفارق الحاسم في صناعة مستقبل آمن يقوم على الإنتاج والابتكار لا على الاستهلاك

إعداد وحوار: الإعلامي هاني الجهني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى