السياحة والترفيه

الطائف..مدينة تهدهد الصيف وتوقظ فينا الذاكرة.

في الطائف، لا يمرّ الصيف كما نعرفه، لا يحمل وجهه الكالح، ولا يتوسد العرق والغبار. في هذه المدينة، يسقط الزمن من تقويم القيظ، ويولد فصل خامس، لا تسمّيه النشرات الجوية، لكنه يُعاش كفصلٍ للطمأنينة.

الناس هنا لا يهربون من حرّ الجنوب ولا زحام الشمال، بل يتوافدون وكأنهم يُصلّون عند محراب الهواء، يأتون مشاةً على تعب الأيام، وكلٌّ يحمل في داخله هاجساً يريد أن يُسكته على مهل. الطائف ليست وجهة للترفيه، بل مكان نذهب إليه لنصغي إلى ما لم نعد نسمعه في المدن: صوتنا الداخلي.

في الشفا والهدا، لا شيء يُغريك لتُسرع. كل شيء يطلب منك أن تُبطئ. الجبل يُعلمك الرزانة، والغيم يُقنعك بأن الحياة يمكنها أن تُعاش بخفة، دون قلق، دون توجس من الغد. الناس يجلسون على أطراف الهاوية، لكن لا أحد يشعر أنه على حافة السقوط؛ بل على شرفة نجاة.

وحدها الطائف تُعطي للبرد معنى حنونا. هنا، لا تنكمش من نسمة المساء، بل تمدّ لها صدرك كأنك تقول: خذيني حيث لا أُضطر للدفاع عن نفسي. حتى الشاي هنا يُشرب لا ليطرد البرد، بل ليُطيل أمد الحكاية.

مدينة كهذه، لا تحتاج إلى مهرجانات كي تبهر الزوار، يكفيها أن تفتح نوافذها على ضوءٍ خفيف، وتشعل في الذاكرة لمعةً من طفولةٍ نسيها الناس خلفهم وهم يركضون نحو الإنجاز. الطائف لا تتنافس مع أحد، لأنها تملك ما لا يُشترى: راحة البال، وبساطة الحضور، وصمت الجمال.

في كل زاوية من الطائف، ثمة إجابة لأسئلة لم نعد نطرحها. ولعلّ المدينة، بطقسها، بهدوئها، بميلها للمراوغة، تقول لنا شيئًا عميقًا: ليس علينا أن نفهم كل شيء، بعض الجمال يكفي أن يُعاش فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى