الاخبار المحلية

“قرية المائة”.. حكاية الخلاص من اكتئاب الولادة إلى جائزة خيري شلبي، رحاب لؤي: كتبت الرواية بحثاً عن نفسي.

في لقاء أدبي استثنائي، استضاف نادي الرواية الأولى الكاتبة رحاب لؤي للحديث عن روايتها اللافتة “قرية المائة”. الرواية التي حازت جائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول، تميزت بنص غرائبي واقعي يتكئ على الموروث الشعبي والأسطورة، في سياق فني محكم، ولغة ساحرة تخاطب الوجدان الجمعي. في هذا الحوار، نستكشف مع الكاتبة بداياتها، ورحلتها مع الكتابة، وملامح عالمها الروائي.

نص الحوار:
س: بداية، أستاذة رحاب، ماذا حدث لكِ بعد الانتهاء من كتابة “قرية المائة”؟
رحاب: بصراحة، شعرت أن هناك تفاصيل كثيرة لم تُقال، وحكايات كان يمكن التعمق فيها أكثر. لذلك قررت كتابة جزء ثانٍ من الرواية، أعمل عليه حالياً.

س: هل كانت هذه التجربة الروائية الأولى لكِ فعلاً؟
رحاب: نعم، وأحب أن أشارك القصة كاملة. أنا صحفية منذ عام 2016، ووصلت في عملي الصحفي إلى مرحلة شعرت فيها أنني لم أعد أتعلم شيئًا جديداً في تلك الفترة، وبعد إنجابي لابنتي الثانية، أخذت إجازة وتفرغت لتربيتها، لكني بدأت أُصاب باكتئاب ما بعد الولادة. فقررت أن أرجع لما أحبه: الكتابة.
وجدت ورشة مجانية لكتابة الرواية الأولى تنظمها الدار المصرية اللبنانية، وقدمت فيها بيأس. فوجئت أنني من بين سبعة فقط تم اختيارهم من بين 300 متقدم. الورشة كانت بإشراف الروائي طارق إمام. بدأت أتعلم للمرة الأولى كيف تُكتب الرواية. جاءتني فكرة “قرية الماء” أثناء الورشة، لكن الجائحة (كورونا) أوقفت كل شيء. رغم ذلك، لم أستطع التوقف، واستكملت الكتابة خلال ثلاث سنوات.

س: هل شككتِ يوماً بموهبتك؟
رحاب: طبعاً. كنت أسأل نفسي: هل ما أكتبه يستحق؟ هل لدي موهبة فعلاً؟ فقررت أن أختبر نفسي، وقدمت الرواية في جائزة خيري شلبي. قلت لنفسي: إذا وصلت إلى القائمة الطويلة، سأواصل الكتابة. فوجئت أنها وصلت إلى القائمة الطويلة، ثم القصيرة، ثم فازت بالجائزة. كانت تلك أكبر شهادة حصلت عليها على موهبتي، وهدية عظيمة من الله.

س: لماذا اخترتِ أن يكون عدد سكان القرية 100 تحديداً؟
رحاب: هي أسطورة داخل الرواية. مؤسس القرية وضع هذا الرقم كأساس لنجاتها: إذا زادوا أو نقصوا عن المئة، يصيبهم الهلاك أو الفقد. هو خرافة توارثها أهل القرية، ولم يسألوا إن كانت حقيقية. الرقم 100 رمز للكمال، لكنه كمال زائف؛ لذلك هم دائمًا 99، وليسوا 100 فعلياً.

س: كيف بُنيت هذه الأسطورة؟ من أين استلهمتها؟
رحاب: بدأت الحكاية بدون تصور مسبق. بمجرد بدء الورشة وقراءتي للروايات المقترحة، بدأت التفاصيل تُملى عليّ وكأنها موجودة أصلاً. بدأت بسؤال نفسي: أين سيكون مسرح الرواية؟ فكانت الإجابة: قرية. ثم توالت التفاصيل تباعاً، كل منها يجر الأخرى.

س: الريف في روايتك مختلف عن ريف طه حسين ونجيب محفوظ وهيكل. لماذا؟
رحاب: لأني أراه بعين مختلفة. أنا من المدينة، وزياراتي للريف كانت عابرة، لكنها دائماً ما كانت تُشعرني وكأن لي علاقة خفية به، وكأنني كنت جزءًا منه في زمن غابر. هذه الذكريات الغريبة، وكأنها موروثة من أجدادي، صنعت هذا الريف الأسطوري الذي كتبته.

س: في الرواية، لا يوجد جوع رغم الفقر. هل هذا خيال محض؟
رحاب: نعم، هو خيال مُتخيل بالكامل، لكنه قائم على مشاعر حقيقية. الريف في الرواية مثالي في ظاهره، لكنه يحمل في داخله تناقضاته. كأن الكمال الزائف يخفي خللاً أصيلاً.

س: ماذا أضافت لكِ الرواية ككاتبة؟
رحاب: منحتني الثقة. منحتني يقيناً بأن لدي شيئاً يمكن أن يُصقل ويُبنى عليه. لم أكن أتصور أنني أكتب ما يُمكن قراءته، لكن هذه الجائزة أكدت لي أنني أملك هذه الموهبة.

س: الشخصيات في الرواية غرائبية واقعية. كيف صنعتِ هذا المزج؟ وما دور شخصية سعدية؟
رحاب: شخصية سعدية هي لحظة الانقلاب في الرواية. قبلها كانت الأمور تسير على وتيرة واحدة، وبعدها بدأت تتغير. كانت تمثل الشكّ، والتساؤل، والنقض الصارخ للأساطير التي يعتنقها أهل القرية. هي ومضة تسبق التحول الكامل.

س: الرواية لغتها سلسة، بسيطة، لكنها ليست سطحية. كيف وصلتِ لهذا التوازن؟
رحاب: أعتقد أن الخلفية الصحفية لعبت دورًا كبيراً الكتابة الصحفية علمتني الاختزال والتبسيط. لذلك كنت حريصة أن كل جملة في الرواية تكون غير قابلة للحذف أو الاستبدال. الرواية كانت أكبر بكثير، لكنني جزّأت منها آلاف الكلمات خوفاً من الإطالة والملل.

س: حدثينا عن عنوان الرواية وغلافها؟
رحاب: العنوان كان في ذهني منذ البداية، ولم أفكر في تغييره أبداً، أما الغلاف فكان من تصميم دار النشر والمبدع إسلام أحمد، وقد أعجبني كثيراً.

س: هل كل الأساطير التي في الرواية من نسج الخيال؟
رحاب: هي مزيج من الخيال والأساطير الشعبية. بعد نشر الرواية، أخبرتني باحثة أنثروبولوجية بوجود قرية حقيقية في واحة “الجارة” تعتمد مبدأ عدد السكان الثابت، وهذا شيء لم أكن أعرفه. وأحداث مثل سقوط الحجارة من السماء أو عدم تسمية البنت حديثة الولادة، كلها وقائع حدثت فعلياً، سمعتها أو قرأتها في الصحف القديمة.

س: إلى أي مدى أفادتك خبرتك الصحفية في رسم الشخصيات؟
رحاب: كثيراً. الكتابة الإنسانية علمتني أن أُركز على السمات التي تصنع الإنسان، وهذا ساعدني في بناء الشخصيات بطريقة حقيقية وإنسانية.

س: هل توقفتِ عن الكتابة بعد توقف الورشة بسبب كورونا؟
رحاب: لا، لم أستطع. الرواية كانت تفرض نفسها عليّ. في إحدى المرات، كتبت نسخة كاملة منها، ثم حذفتها بالكامل ولم أحتفظ سوى بـ5000 كلمة، وبدأت من جديد. كانت الكتابة طوق نجاتي.

س: هل هناك شخصية من الرواية التقيتِ بها في الواقع؟
رحاب: لم أقابل شخصاً كامل الملامح كالشخصيات، لكن هناك مشهد لا أنساه. رأيت رجلاً يهدد زوجته أنه سيدفن ابنته إن وُلدت أنثى. هذا المشهد ألهمني مشهد عوض في الرواية.

الخاتمة:
قرية الماء روايتي الأولى، وقد أملت نفسها عليّ. أعلم أن نهايتها أثارت استغراب البعض، لكن ما لا يعلمونه أن هناك جزءًا ثانياً قادماً بإذن الله. أتمنى أن يكون على قدر التوقعات. شكرتً لحضوركم واهتمامكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى