مقالات

كلما يحضرني بالعيد “غيابك” للكاتب سعود السحيمي

صباح العيد…
حين أذكركِ… لا يرتجف القلب فقط انما تنزف الذاكرة… ويعجز القلم عن حمل ما في الصدر
ويبدا الصباح الاول من العيد الذي يأتي مزدانا بالتكبير متوشحا بالفرح. لكنه حين يمر على قلبي… يتعثر عند حنين لا يفسر.
أننا نبتسم كما اعتدنا نرتدي بهجة العيد، نوزع السلامات والضحكات لكن في الداخل حكاية أخرى…
حكاية فقد لا يشيخ واشتياق لا يتعب وذاكرةٍ كلما مر العيد أيقظت فينا غيابا لا يهدأ.

رغم وصولنا إلى مراحل الشيب، ورغم أن الزمن مضى طويلًا منذ ذلك الغياب،
إلا أن الأثر ما زال كما هو… لا يتغير حضوره، ولا يبهت صداه، ولا يخفت صوته في أرواحنا.
كبرنا نعم… لكننا عند الذكرى نصغر، نعود أطفالًا نبحث عن يد وعن دعاء وعن حضن كان يرممنا دون أن نتكلم.

ما أعجب هذا الشوق…
كل شوق في الحياة له حد يهدأ عنده… إلا ذاك الشوق،
فهو لا يقاس ولا يقارن ولا يسويه شوق لشخص أو لشئ…كأنه وطن وكل ما سواه غربة.

في العيد… نرى ذلك الغياب في كل شى:
في تفاصيل البيت، فى ترتيب الصباح ، فى صوت التهاني، في رائحة الطعام، في تلك اللمسة التي لم تعد…نراه في الفراغ أكثر مما كنا نراه في الامتلاء، وكأن الغياب أصبح حضورا لا يغيب.

وهنا… يتضح الاسم الذي يختصر كل هذا الغياب:
أمى…الاسم الذي لا نقوله كثيرا… لأننا إن قلناه، انكسر فينا كل ما حاولنا ترميمه.

يا لقسوة الأيام…
حين تكتمل مظاهر الفرح لكن ينقصها جوهرها، وحين يجتمع الجميع… ويبقى مكان واحد لا يمتلئ، وحين نهنى بعضنا وفي القلب دعوة واحدة:
“اللهم اجمعنا بمن نحب في جنّاتك”.

ومع هذا الوجع النبيل…
يبقى البر طريقا لا ينقطع ولا يغلقه الموت. فلا ينتهي الحب انما يتحول:
إلى دعاء لا يفتر، إلى صدقة تهدى، إلى ذكر لا يغيب، وإلى حياة نحاول أن نكون فيها أوفياء لذلك الأثر.

إن كان العيد فرحا… فهناك فرح لا يعوض، وإن كان نورا… فهناك نور لا يستبدل، وإن كان لقاء… فكل عيد بدونه… انتظار.

اللهم ارحم روحا كانت لنا حياة.
اللهم اجعل قبرها روضة من رياض الجنة،
اللهم بلغها من دعائنا ما يملأ قبرها نورا وسعة،
اللهم كما ربت وأحسنت، فأحسن إليها، وارفع درجتها، واجعلنا من البارين بها بعد رحيلها.

صباح العيد…
رغم الغياب، ورغم الشيب، ورغم مرور الأعوام… يبقى الاسم الأصدق والحنين الأعمق والفراغ الذي لا يملا:

أمّي…
ما زلتِ أنتِ العيد وما زال شوقي لكِ…
لا يسويه شوق.
فـ/ كل أعيادي “بدونك ” انتظار !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى